ومضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها عليه، وهو يستمع منه، وقد ألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} . وضع عتبة يده على فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناشد الله والرحم مخافة أن يقع في ذلك، وقال: حسبك.
ولما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة سجد، ثم قال:"سمعت يا أبا الوليد"؟
قال: سمعت.
قال:"فأنت وذاك".
فقام عتبة إلى أصحابة، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط. والله ماهو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوا لي. وخلوا بين هذا الرجل وبين ماهو فيه، فاعتزلوه. فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد.
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
ولما فشل المشركون في هذا الإغراء والترغيب، فكروا في المساومة في الدين، فقالوا له: - صلى الله عليه وسلم - نعرض عليك خصلة واحدة لك فيها صلاح.
قال:"وما هي"؟
قالوا: تعبد آلهتنا سنة. ونعبد إلهك سنة، فإن كنا على الحق أخذت حظًا، وإن كنت على الحق أخذنا منه حظًا، فأنزل الله - تعالى - {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ إلى آخر السورة، وأنزل: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ