تلكم هي المحاولات التي واجه بها المشركون رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ودعوته، وقد مارسوها كلها جنبًا إلى جنب متنقلين من طور إلى طور، ومن دور إلى دور. فمن شدة إلى لين، ومن لين إلى شدة، ومن جدال إلى مساومة، ومن مساومة إلى جدال، ومن هجوم إلى ترغيب، ومن ترغيب إلى هجوم، كانوا يثيرون ثم يخورون، يجادلون ثم يجاملون، ينازلون ثم يتنازلون، يوعدون ثم يرغبون، كأنهم يتقدمون ويتأخرون، لا يقر لهم قرار، ولا يعجبهم الفرار. وكان عرضهم من كل ذلك كف دعوة الإسلام ولم شعث الكفر، لكنهم بعد ذلك بذل مل الجهود عادوا خائبين خاسرين، ولم يبق أمامهم إلا خيار واحد، وهو السيف، والسيف لا يزيد الفرقة إلا شدة، ولا يفضي إلا إلى تناحر لعله يستأصل شأفتهم، فاحتاروا ماذا يفعلون.
أما أبو طالب فانه لما واجه مطالبتهم بتسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ليقتلوه، ثم رأي في تحركاتهم وتصرفاتهم ما يؤكد أنهم يريدون قتله - مثل ما فعله أبو جهل، وعقبة بن أبي معيط، وعمر بن الخطاب - جمع بني هاشم وبني المطلب ودعاهم إلى القيام بحفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجابوه إلى ذلك كلهم مسلمهم وكافرهم، وتعاقدوا وتعاهدوا عليه عند الكعبة. إلا أبو لهب، فإنه فراقهم، وكان مع قريش
زادت حيرة المشركين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني هاشم وبني المطلب مصممين على حفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - والقيام دونه كائنًا ما كان، فاجتمعوا في خيف بني كنانة ليدرسوا الموقف الراهن، ويقضوا فيه، فاستشاروا ثم استشاروا حتى وصلوا إلى حل غاشم تحالفوا عليه. وهو أنهم لا يناكحون بني هاشم وبني المطلب، ولا يبايعونهم، ولا يجالسونهم، ولا يخالطونهم، ولا يدخلون في بيوتهم، ولا يكلمونهم، ولا يقبلون منهم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل.
تحالفوا على هذا القرار، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة وكان الذي كتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشلت يده أو بعض أصابعه.