فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 282

كاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يتفرغون لنشر دينهم، وإصلاح أحوالهم، بعد أن ساد الهدوء بفضل ما اتخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخطط الحكيمة، فلم يحصل بعد غزوة بني النضير أي مواجهة تذكر، لفترة تجاوز سنة ونصف سنة، ولكن تلك هي اليهود - الذين سماهم المسيح عليه السلام: حيات وأولاد الأفاعي - لم يرقهم أن يستريح المسلمون، فهم بعد ما استقروا بخيبر، واطمأنوا بها أخذوا يدبرون المؤامرات، ويتحركون وراء الستار، حتى نجحوا في جلب جيش عرمرم من قبائل العرب ضد أهل المدينة.

يقول أهل السير: إن عشرين رجلًا من سادتهم وزعمائهم خرجوا إلى قريش، يحرضونهم على غزو المدينة، ووعدوهم بالنصر، فأجابت لهم قريش، ثم ذهبوا إلى غطفان، فأجابوا، ثم طافوا في القبائل فأجاب عدد منها، ثم حركوا هؤلاء القوم جميعًا تحت خطة منسقة حتى يصل الجميع إلى أطراف المدينة في زمن واحد.

وبلغ خبر تجمعهم وتحركهم إلى المدينة، فاستشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فأشار سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بحفر الخندق، فاستحسنوه واتفقوا عليه.

وحيث إن المدينة تحيط به اللابات أي الحرات - وهي الحجارة السود - من الشرق والغرب والجنوب، ولا تصلح لدخول العساكر إلا جهة الشمال فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختار في تلك الجهة أضيق مكان بين الحرة الغربية والشرقية - وهو نحو ميل - فوصل الحرتين بحفر الخندق في هذا المكان، وبدأ هذا الخندق في جهة المغرب من شمال جبل سلع، ووصله في الشرق برأس ممتد من حجارة الحرة الشرقية عند أطم الشيخين.

وقد وكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا أربعين ذراعًا، واشترك معهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حفر الخندق ونقل التراب، وكانوا يرتجزون فيجيب، ويرتجز فيجيبون، وقد كابدوا أثناء حفره أنواعًا من المشقة، ولا سيما شدة البرد، وشدة الجوع، وكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت