فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 282

والرحمة، فقال: بل باب التوبة والرحمة، فلما اختار النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا أنزل الله عليه جواب مقترحات المشركين فقال له: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا} [17: 93]

والمعنى قل لست أقدر على إحداث الخوارق والإتيان بالمعجزات، لأن القدرة على ذلك أمر يختص بالله سبحانه وتعالى، وهو منزه من أن يكون له شريك في قدرته، وإنما أنا بشر، كما أنكم بشر، فلست أقدر عليه كما أنكم لا يقدرون عليه. وإنما الذي امتزت به فيما بينكم هو أنني رسول، ويوحي إلي، وأنتم لستم برسل، وليس يوحى إليكم، فالذي طلبتموه من الآيات ليس في يدي ولا تحت تصرفي، وإنما هو إلى الله - عز وجل - إن شاء أظهرها لكم، ويؤيدني بها عليكم، وإن شاء أخرها عنكم، وفي ذلك مصلحتكم.

وقد أكد الله هذا المعنى في سورة الأنعام فقال: {قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [6:109] أي إن الأنبياء والرسل ليسوا بالذين يأتون بالخوارق والمعجزات، وإنما الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يأتي بها. وهو إنما يظهرها على أيدي الأنبياء والمرسلين تكريمًا لهم، وتأييدًا وإثباتًا نبوتهم ورسالتهم.

ثم بين الله - سبحانه وتعالى - أنه لو أراهم وأظهر لهم ما طلبوه من الآيات لا يؤمنون به. مع كونهم قد أقسموا بالله جهد أيمانهم ليؤمنن به، فقال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} وقال: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} [13: 31]

وفي ثنايا مثل هذه الآيات أشار الله تعالى إلى سنة من سننه، وهي أن القوم إذا طلبوا آية معينة، ثم لم يؤمنوا بها إذا جاءتهم فإنهم يهلكون ولا يمهلون. وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل، وقد علم الله أن معظم قريش يؤمنون فيما بعد. فلذلك لم يأت لهم بما اقترحوه من الآيات الخاصة التي مضى ذكرها قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت