ثم أتى كعبًا وقال: إن هذا الرجل - إشارة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، أي أوقعنا في المشقة والعناء.
فاستبشر كعب وقال: والله لتملنه. فا ستقرضه محمد بن مسلمة طعامًا أو تمرًا، واتفق معه على أنه يرهنه السلاح.
وجاءه أبو نائلة فتحاور معه بمثل حوار محمد بن مسلمة، وقال: إن معي أصحابًا على مثل رأيي أريد أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم فقبل ذلك منه.
وفي الليلة الرابعة عشرة من شهر ربيع الأول سنة 3 هـ جاءه المذكورون ومعهم السلاح، فنادوه فقام لينزل، وكان في حصنه، وكان حديث عهد بعرس، فقالت له زوجته: أين تخرج هذه الساعة؟ أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. فلم يبال بقولها، ولما نزل ورأى السلاح لم يستنكر، لما سبق بينهم وبينه من العهد.
وأخذوا يمشون ليتنزهوا، ومدح أبو نائلة رائحة عطره، واستأذنه ليشم رأسه. فأذن له في زهو وخيلاء، فشمه وأدخل فيه يده وأشم أصحابه، ثم استأذنه ثانيًا وفعل مثل ما فعل، ثم ثالثًا أيضًا، فلما استمكن من رأسه في المرة الثالثة قال: دونكم عدو الله فاختلفت عليه الأسياف دون جدوى. فوضع ابن مسلمة معولًا في ثنته، وتحامل عليه حتى بلغ العانة، فصاح صيحة أفزعت من حوله، وسقط قتيلًا. وأوقدت النيران على الحصون، لكن رجع المسلمون بسلام. وقد خمدت نار الفتنة التي طالما أقلقت المسلمين، وكمنت أفاعي اليهود في أجحارهم لفترة من الزمان.
وفي جمادى الآخرة سنة 3 هـ أرسلت قريش عيرًا لهم إلى الشام عن طريق العراق، لتخترق نجدًا إلى الشام، ولا تمر بقرب المدينة، وكان يقودها صفوان بن أمية، وعلم بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب، فدهمها زيد وهي تنزل على ماء في نجد يسمى بقردة، فاستولى على العير بكل ما فيها، وفر رجال العير بأجمعهم، وأسر الدليل فرات بن حيان فأسلم - وقدرت الغنيمة بمائة ألف، وكانت أوجع ضربة تلقتها قريش بعد غزوة بدر.