تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [39 - 64] وأنزل أيضًا:
{قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ} .
وكان المشركون حريصين على حسم الخلاف، آملين ما رجاه عتبة بن ربيعة، فأبدوا مزيدًا من التنازل، ومالوا إلى قبول ما يعرضه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن اشترطوا بعض التعديل والتبديل فيما أوحي إليه، فقالوا: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} فأمره الله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}
[10 - 15] ونبهه الله على عظم هذا، فقال وهو يذكر بعض ما دار في الخلد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخواطر حول ذلك: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا 73} وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا {74} إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [17:73:75]
وبهذه المواقف الصارمة تبين للمشركين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قائم بالدعوة إلى الدين، وليس بتاجر حتى يقبل المساومة أو التنازل في الثمن، فأرادوا التأكد من ذلك عن طريق أخرى. فأرسلوا إلى يهود يسألونهم عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبي مرسل، وإلا فهو متقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؟ فإن لهم حدثيًا عجبا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟
فسألت عظماء قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. فنزلت سورة الكهف فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف. وقصة ذلك الرجل الطواف، وهو ذو القرنين.
ونزل في سورة الإسراء الرد على سؤالهم عن الروح، وهو قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [17:85]
وكان هذا الاختبار يكتفي لاقتناع قريش بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسول حقًا، لو أرادوا الحق، ولكن أبي الظالمون إلا كفورًا.