، فاحذروهم، وإن سألوكم رهائن فلا تعطوهم، ثم ذهب إلى غطفان فقال لهم مثل ذلك.
وبهذا التدبير الحكيم تشككت النفوس وتشققت، وأرسل أبو سفيان وفدًا إلى قريظة يدعوهم إلى القتال غدًا، فقالوا، إن اليوم يوم السبت، ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه، ثم إنا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهائن منكم، لكي لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، فقالت قريش وغطفان: صدقكم والله نعيم، وأرسلت قريش إلى اليهود تقول لهم: لا نرهنكم أحدًا، واخرجوا للقتال. فقالوا صدقكم والله نعيم. فخارت عزائم الفريقين وتخاذلوا.
أما المسلمون فكانوا يدعون:"اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا"، وابتهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه - عز وجل:"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم".. فأرسل الله عليهم ريحا وجنودًا من الملائكة، فزلزلوهم وقذفوا في قلوبهم الرعب، وكفأت الريح قدورهم، وقلعت خيامهم، وضربهم البرد القارس حتى لم يقر لهم قرار، وبدءوا يتهيأون للرحيل.
وأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة - رضي الله عنه - إليهم، ليأتي بخبرهم، فذهب ودخل بينهم، ثم رجع، ولم يجد مس البرد، بل كأنه كان في حمام - الذي يغتسلون فيه الماء الحميم أي الحار - فلما رجع أخبر برحيل القوم ونام. فلما أصبح المسلمون رأوا ساحة القتال من جهة الكفار ليس فيها داع ولا مجيب، فقد {ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} ..
كانت بداية هذه الغزوة في شوال سنة 5 هـ، ونهايتها بعد نحو شهر في ذي القعدة، وكانت أكبر محاولة قام بها أعداء الإسلام لضرب المدينة، وللقضاء عليها، وعلى الإسلام والمسلمين، ولكن الله خيبهم، ورد كيدهم في نحورهم، وكان فشلهم بمجموع هذه القوات يعني أن الطوائف الصغيرة والمتفرقة أولى أن لا تجترئ على التوجه إلى المدينة، وقد أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الآن نغزوهم، لا يغزونا، نحن نسير إليهم.