وكان سعد في المدينة للجرح الذي أصابه أثناء غزوة الخندق، فجاءوا به راكبًا على حمار، فلما قرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قوموا إلى سيدكم، فقالوا إليه، وأحاطوا به من جانبيه، يقولون: يا سعد! أحسن في مواليك، وهو ساكت لا يجيب، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فلما سمعوا ذلك رجع بعضهم إلى المدينة ونعى إليهم القوم.
ولما نزل سعد، وأخبر بنزول قريظة على حكمه، حكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات. وقد كان هذا الحكم أيضًا طبقًا لشريعة اليهود، بل أرف ق وأرحم من حكم شريعتهم
وعلى إثر هذا القضاء الذي قضى به سعد بن معاذ أتى ببني قريظة إلى المدينة، فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم ذهب بهم إلى هذه الخنادق أرسالًا أرسالًا، وضربت أعناقهم فيها، وكانوا أربعمائة، وقيل: ما بين الستمائة إلى السبعمائة.
وقتل معهم حيى بن أخطب سيد بني النضير، وكان من زعماء اليهود العشرين الذين حرضوا قريشًا وغطفان على غزوة الأحزاب، ثم كان قد جاء إلى قريظة، وأغراهم على نقض العهد، حتى غدروا بالمسلمين في أحرج ساعة من حياتهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن يكون معهم، يصيبه ما يصيبهم، فكان معهم في حصونهم أثناء الحصار والاستسلام حتى القتل.
وقد أسلم نفر من بني قريظة قبل النزول فلم يتعرض لهم، واستوهب بعضهم فتركوا وأسلموا. وقتلت امرأة من نسائهم، لأنها كانت قد طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته، وجمع السلاح والأموال فكانت ألفًا وخمسمائة سيف، وثلاثمائة درع، وألفى رمح، وخمسمائة ترس وحجفة، وأثاثًا كثيرًا، وآنية وجمالًا وشياهًا، فخمس كل ذلك مع النخل والسبي، فأعطى للراجل سهمًا وللفارس ثلاثة أسهم، سهمًا لنفسه وسهمين لفرسه.