وكان حزن المسلمين لسببين: الأول رجوعهم بغير عمرة، والثاني عدم المساواة بين الطرفين. فالمسلمون يردون من جاء إليهم، وقريش لا يردون، فطمأنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأول بأنهم سوف يعتمرون العام القادم، فالرؤيا صادقة، وفي هذا الجزء من الصلح مراعاة لمشاعر الفريقين، وطمأنهم عن الثاني بأن من ذهب منا إليهم فقد أبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا.
وكان قوله - صلى الله عليه وسلم - هذا مبنيًا على نظره البعيد، فإن جماعة من المسلمين لما تزل في الحبشة، ولم يكن ينطبق عليهم هذا العهد، فكان يمكن اللجوء إليهم للمحبوسين في مكة، ولكن ظاهر العهد كان في صالح قريش، فلما يزل له أثر شديد في أعماق مشاعر المسلمين، حتى جاء عمر بن الخطاب، وقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال. أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب! إني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولست أعصيه. وهو ناصري ولن يضيعني أبدًا.
ثم انطلق عمر متغيظًا إلى أبي بكر فقال له ما قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأجابه أبو بكر بما أجاب به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال لعمر: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.
ثم أنزل الله - تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} الآيات. فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر، فأقرأه إياها فقال: يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: نعم فطابت نفسه، ورجع.
ثم ندم عمر على ما فرط منه، فعمل لأجله أعمالًا: لم يزل يتصدق ويصوم ويصلي ويعتق حتى رجا الخير.