فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 282

وأحرم من ذي الحليفة ولبى. ولبى معه المسلمون، وواصل سيرة حتى إذا بلغ وادي يأجج وضع السلاح، وخلف عليها أوس بن خولي الأنصاري، في مائتين من الصحابة، وتقدم بسلاح الراكب: السيوف في القرب. فدخل مكة من ثنية كداء التي تطلعه على الحجون. وهو على ناقته القصواء، والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون به، يلبى ويلبون، حتى دخل المسجد الحرام، فاستلم الحجر الأسود بمحجنه، ثم طاف - وهو على راحلته - وطاف معه المسلمون، ويرملون حول البيت، كاشفين مناكبهم اليمنى، شأن الفتوه والقوة، وعبدالله بن رواحة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوحشًا بالسيف، يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا، فكل الخير في رسوله

اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

وكان المشركون جالسين على جبل قعيقعان - شمالي الكعبة - وقد قالوا فيما بينهم: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فلما رأوا المسلمين يرملون قالوا: هؤلاء أجلد من كذا كذا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى ليرى المشركين قوتهم. إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود، فإنه في الجنوب، في جهة لم يكن يراها المشركون.

فلما فزع من الطواف سعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم نحر هديه عند المروة، وحلق رأسه، وكذلك فعل المسلمون، ثم بعث رجالًا من الصحابة إلى بطن يأجج ليكونوا على السلاح، ويأتي من بقى هناك من الصحابة فيؤدوا نسكهم.

وأقام بمكة ثلاثة أيام تزوج خلالها ميمونة بنت الحارث الهلالية - وكانت زوجة سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب وخالة ابن العباس - فلما بلغتها الخطبة وكل أمرها إلى العباس، فزوجها العباس بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو حلال، فإنه اعتمر أول ما دخل مكة، ثم حل فبقى حلالًا.

وفي صبيحة اليوم الرابع غادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة راجعًا إلى المدينة، فلما بلغ سرف على بعد تسعة أميال من مكة نزل بها وأقام، وهناك زفت إليه ميمونة - رضي الله عنها - فبنى بها. ثم عاد إلى المدينة فرحًا مسرورًا بما حباه الله من تصديق رؤياه، وشرفه بطواف بيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت