المدججين بالسلاح يهجم عليهم طول النهار، ويفقد كثيرًا من أبنائه وأبطاله، ولا ينجح في دحرهم.
أخذ راية المسلمين زيد بن حارثة فقاتل وقاتل، ثم قاتل وقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر شهيدًا في سبيل ربه، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل وقاتل، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء وعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فلم يزل رافعًا لها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه حتى أبقاها تخفق في جو السماء، إلى أن قتل بعد أن أصابته بضع وتسعون من طعنة ورمية، كل ذلك فيما أقبل من جسده، وجاءت نوبة عبدالله بن رواحة فأخذ الراية وتقدم، واقتحم عن فرسه المعمعة، ثم لم يزل يقاتل حتى قتل.
وحتى لا تسقط الراية أخذها ثابت بن أرقم وقال للمسلمين: اصطلحوا على رجل، فاصطلحوا على خالد بن الوليد، وبذلك انتقلت الراية إلى سيف من سيوف الله، وتقدم خالد بن الوليد فقاتل قتالًا منقطع النظير حتى انقطعت في يده تسعة أسياف، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالمدينة في نفس اليوم بمقتل القواد الثلاثة، وبانتقال القيادة إلى خالد بن الوليد، وسماه سيفًا من سيوف الله.
وبانتهاء النهار رجع الفريقان إلى مقرهما، فلما أصبحوا غير خالد - رضي الله عنه - ترتيب العسكر، فجعل الساقة مقدمة، والمقدمة ساقة، والميسرة ميمنة، والميمنة ميسرة، فظن العدو أن المدد قد وصل للمسلمين فداخله الرعب، وبعد مناوشة خفيفة بدأ خالد يتأخر بالمسلمين، فلم يجترئ العدو على التقدم، خوفًا من أن تكون خدعة، فانحاز المسلمون إلى مؤتة، ومكثوا سبعة أيام يناوشون العدو، ثم تحاجز الفريقان وانقطع القتال، لأن الروم ظنوا أن الإمدادات تتوالى على المسلمين، وأنهم يكيدون بهم ليجروهم إلى الصحراء حيث لا يمكنهم التخلص، وبذلك كانت كفة المسلمين راجحة في هذه الغزوة.
وقتل في هذه الغزوة اثنا عشر رجلًا من المسلمين، أما عدد قتلى العدو فلم يعرف، إلا أنهم قتلوا بكثرة.
سرية ذات السلاسل: