وإنما خصّ يوم الدين - وهو يوم الجزاء - بالملكية لأن ذلك اليوم يظهرُ فيه المُلْكُ لله عيَانًا لجميع الخلق، فإن الله تعالى يتجلّى لفصل عباده، حتى يراه المؤمنون عيانًا، بخلاف الدنيا فإن تصرفه تعالى لا يفهمه إلا الكَمَلَةُ من المؤمنين، ولذلك ادَّعى كثير من الجهلة الملكَ ونسبوه لأنفسهم.
ويوم القيامة ينفرد الملك لله عند الخاص والعام، قال تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) .
قال في الرسائل الكبرى: لا عبرة بظواهر الأشياء، وإنما العبرة بالسر المكنون، وليس ذلك إلا بظهور أمر الحق وارتفاع غطَائه وزوال أستاره وخفائه، فإذا تحقق ذلك التجلّي والظهور، واستولى على الأشياء الفناءُ والدُّثُور، وانقشعت الظلمات بإشراق النور، فهناك يبدو عين اليقين ويَحِقُّ الحق المبين، وعند ذلك تبطل دعوى المدعين، كما يفهم العامة بطلان ذلك في يوم الدين، حين يكون الملك لله رب العالمين، وليت شعري أيُّ وقت كان الملكُ لسواه حتى يقع التقييد بقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) وقوله: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) ؟! لولا الدعاوَى العريضة من القلوب المريضة. اهـ.
فإن قيل: (ملك) و (مالك) نكرة لأن إضافة اسم الفاعل لا تُخصص، وكيف ينعت به (الرحمن الرحيم) وهما معرفتان؟
قلت: إنما تكون إضافةُ اسم الفاعل لا تخصص إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال لأنها حينئذٍ غيرُ مَحْضَةٍ، وأما هذا فهو مستمر دائمًا، فإضافته محضة. قاله ابن جزي.