فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 814

ثم هذه التربية التي ربى سبحانه بها خلقه إنما هي رحمة منه وإحسان، لا لزوم عليه وإيجاب، ولذلك وصلَه بقوله (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،) أي: الرحمن بنعمة الإيجاد، الرحيم بنعمة الإمداد. «نعمتان ما خلا موجود عنهما، ولا بد لكل مُكَوَّنَ منهما: نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، أنعم أولًا بالإيجاد، وثنى بتوالي الإمداد» . كما في (الحِكَم)

فاسمُه (الرحمن) يقتضي إيجادَ الأشياء وإبرازها، واسمه (الرحيم) يقتضي تربيتَها وإمدادها. ولذلك لا يجوز إطلاق اسم (الرحمن) على أحد، ولم يَتَسَمَّ أحد به إذ الإيجاد لا يصح من غيره تعالى، بخلاف اسمه (الرحيم) فيجوز إطلاقه على غيره تعالى لمشاركة صدور الإمداد في الظاهر من بعض المخلوقات مجازًا وعاريةً.

أو: الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الآخرة لأن رحمة الآخرة خاصة بالمؤمنين.

أو الرحمن بجلائل النِعم والرحيم بدقائقها، فجلائل النعم مثل: نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، والمعرفة والهداية، وكشف الحجاب وفتح الباب والدخول مع الأحباب، ودقائقُ النعم مثل: الصحة والعافية والمال الحلال، وغير ذلك مما يأتي ذكره في المُنْعَم عليهم.

و (الرحمن) أبلغ من (الرحيم) لأن زيادةَ المبنى تدل على زيادة المعنى، كقَطَّعَ وقَطَعَ، وذلك إنما يُؤخذ تارة باعتبار الكمية، وأخرى باعتباره الكيفية.

فعلى الأول: قيل: يا رحمنَ الدنيا لأنه يَعُمُّ المؤمنَ والكافر، ورحيمَ الآخرة لأنه يختص بالمؤمن، وعلى الثاني قيل: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جِسَام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة.

وإنما قدّم (الرحمن) - والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى- لتقدُّم رحمة الدنيا، ولأنه صار كالعَلَم من حيث إنه لا يُوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغُ في الرحمة غايتَها، وذلك لا يصدُق على غيره تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت