فهرس الكتاب
قلت: أصل الاستنكاف: التنحية، من قولهم: نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك كي لا يُرى أثره عليك، ثم أُطلق على الأنفة، والاستكبار دون الاستنكاف، ولذا عطف عليه لأن الاستنكاف لا يستعمل إلا حيث لا استحقاق، بخلاف الاستكبار فإنه يكون باستحقاق. قاله البيضاوي.
يقول الحق جلّ جلاله في الرد على النصارى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ) أي: لن يأنفْ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ
فإن عبوديته لله شرف يتباهى بها، وإنما المذلة والاستنكاف في عبوديته لغيره، (ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) لا يستنكفون أيضًا أن يكونوا عبيدًا لله، بل ما كانوا مكرمين إلا بعبوديتهم لله، واحتج بالآية مَن فَضَّل الملائكة على الأنبياء، لأن المعطوف يقتضي أن يكون أرفع درجة من المعطوف عليه، حتى يكون عدم استنكاف الملائكة كالدليل على عدم استنكاف المسيح.
والجواب: أن عطف الملائكة إنما أريد به التكثير والمبالغة، كقولهم: أصبح الأمير اليوم لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، والرئيس أفضل من المرءوس، والتحقيق في المسألة أنَّ الأنبياء والرسل أفضل من خواص الملائكة كالمقربين، وخواص الملائكة - وهم المقربون - أفضل من خواص البشر كالأولياء، وخواص البشر أفضل من عوام الملائكة، وعوام الملائكة أفضل من عوام البشر، ولذلك قيل: من غلب عقله على هواه، كان كالملائكة أو أفضل، ومن غلَب هواه على عقله، كان كالبهائم أو أضل. والله تعالى أعلم.
(الإشارة)
العبودية أشرف الحالات وأرفع المقامات، بها شرف من شرف، وارتفع من ارتفع، عند الله، وما خاطب الله أحباءه إلا بالعبودية، فقال تعالى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) وقال: (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) ، (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ) ، (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ... إلى غير ذلك.
وأوصاف العبودية أربعة: الذل، والفقر، والضعف والجهل.
ومقابلها من أوصاف الربوبية أربعة: العز، والغنى والقوة والعلم، فبقدر ما يظهر العبد من أوصاف العبودية يمده الحق من أوصاف الربوبية، فبقدر ما يظهر العبد من الذل يمده من العز، وبقدر ما يظهر من الفقر يمده بالغنى، وبقدر ما يظهر من الضعف يمده من القوة، وبقدر ما يظهر من الجهل يمده من العلم، تحقق بوصفك يُمدك بوصفه، ولا يتحقق ظهور هذه الأوصاف إلا بين عباده لتمتحق بذلك أوصاف النفس.