فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 814

قال البيضاوي: وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم، كأنهم لشدة افتقارهم، وكثرة احتياجهم، هم الفقراء دون غيرهم، وأن افتقار سائر الخلق بالإضافة إلى فقرهم غير مُعتد به، ولذلك قال: (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا)

قلت: ويمكن أن يكون الحصر باعتبار الحق تعالى، أي: أنتم فقراء دون خالقكم، بدليل وصله بقوله: (وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) .

وقال ذون النون رضي الله عنه: الخلقُ محتاجون إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة، ولحظة، وكيف لا، ووجودهم به، وبقاؤهم به؟

(وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ) عن الأشياء كلها، (الْحَمِيدُ) أي: المحمود بكل لسان. ولم يَسمِّهم بالفقر للتحقير، بل للتعظيم لأن العبد إذا أظهر فقره لسيده الغني أغناه عن أشكاله وأمثاله. وذكر) «الحميد» ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خَلْقه، والجواد المنعم عليهم إذ ليس كلّ غنيّ نافعًا بغناه، إلا إذا كان الغنيُّ جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم، حمده المُنعَم عليهم.

(الإشارة)

الفقر على أربعة أقسام: فقر من الدين، وفقر من اليقين، وفقر من المال، وفقر مما سوى الله.

فالأولان مذمومان، وصاحبهما موسوم بالإفلاس والهلع، ومنهما وقع التعوُّذ في الحديث. والثالث: إن صحبه الرضا فممدوح، وفيه وردت الأحاديث النبوية، وإلاَّ فمذموم، ويشمله التعوُّذ في الحديث. الرابع: هو مطلب القاصدين والعارفين، وهو الغيبة عما سوى الله، والغنى بالله، كما قال الشيخ أبو الحسن: «أسألك الفقر عما سواك، والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك» وهو ينشأ عن التحقُّق بالفقر ظاهرًا وباطنًا لأن الفقر من وصف العبد، والغنى من وصف الرب، فمَن تحقق بوصفه أمدّه الله بوصفه، «تحقق بوصفك يُمدك بوصفه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بذلك يمدك بعزه» .

وقال القشيري - بعد كلام: والفقراءُ على أقسام فقير إلى الله، وفقير إلى شيء هو من الله معلوم وموسوم.

ومَن افتقر إلى شيءٍ استغنى بوجود ذلك الشيء، فالفقير إلى الله هو الغني بالله، فالافتقار إلى الله لا يخلو من الاستغناء بالله. فالفقير إليه مُسْتَغْنٍ به، والمستغنى به فقيرٌ إليه.

ومن شرف الفقر اقترانه بالتواضع والخشوع، ومن آفات الغنى امتزاجُه بالتكبُّر.

وشَرَفُ العبد وعزه في فقره، وذُلُّه وصغاره في توهمه الغنى، وأنشدوا.

وإذا تذلّلَت الرقابُ تَقَرُّبًا ... منَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها

ومن شرط الفقير: ألا يملك شيئًا، ولا يملكه شيء.

ومن آداب الفقير الصادق: إظهارُ التكثُّر عند وجود التقتُّر، والشكر على البلوى، والبُعد عن الشكوى. ويقال: الفقر المحمود: العيش مع الله براحة الفراغ على سَرْمَدِ الوقت، من غير استكراه شيء منه بكلِّ وجْهٍ. اهـ. ملخصًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت