فهرس الكتاب
وإنما عبَّر بالماضي لتحقق وقوعه، كأنه وقع ومضى، وكذلك ما يجيء بعدها، ثم وصف الجنة فقال: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ) أي: من تحت قصورهم، الْأَنْهارُ من عسل وخمر وماء ولبن زيادة في لذتهم وسرورهم، فالقصور مرتفعة في الهواء، والأنهار تجري تحتها.
(وَنُودُوا) أي: نادتهم الملائكة، أو الحق تعالى: (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) أي: هذه الجنة أُورِثْتُمُوها) أي: أُعطِيتموها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: بسبب أعمالكم، وهذا باعتبار الشريعة، وأما باعتبار الحقيقة فكل شيء منه وإليه.
ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم:
«لَن يُدخِلَ الجنَّةَ أحدَكم عَمُلهُ، قالوا: ولا أَنْتَ، قَالَ: ولا أَنَا، إِلاَّ أنْ يتغمدني الله برحمته» «1» .
فالشريعة تنسب العمل للعبد، والحقيقة تعزله عنه، وقد آذنت بها الآية قبله بقوله: (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ، فقد نطقوا بما تحققوا به يوم القيامة.
وقال القشيري: إنما قال: (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تسكينًا لقلوبهم، وتطييبًا لهم، وَإلاَّ، فإذا رأوا تلك الدرجات، علموا أن أعمالهم المشوبة لم تبلغ تلك الدرجات. اهـ.
وعن ابن مسعود أنه قال: (يجوزون الصراط بعفو الله، ويدخلون الجنة برحمة الله، ويقتسمون المنازل بأعمالهم) . اهـ.
(1) أخرجه البخاري فى (الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل) من حديث السيدة عائشة - رضى الله عنها.