فهرس الكتاب
رُوي: أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسألُ بعضهم بعضًا أن ينزل له عن امرأته، فيتزوجها إذا أعجبته، وكان لهم عادة في المواساة بذلك. وكان في أول الإسلام شيء من ذلك بين المهاجرين والأنصار، فاتفق أنَّ عَيْنَ داودَ عليه السّلام وقعت عل امرأة أورِيا، وكانت جميلة، فأحبّها، فسأله النزولَ له عنها، فاستحيا أن يردّه، ففعل، فتزوجها، وهي أم سليمان فعُوتب في ذلك، وقيل له: إنك مع عظيم منزلتك، وكثرة نسائك، لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلًا ليس له إلا امرأة واحدة، كان الواجب عليك مغالبةُ هواك، وقهر نفسك، والصبر على ما امتحِنْتَ به.
وقيل: خطبها أوريا، وخطبها داود، فآثره أهلها، فكانت زلته أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه) «1» . اهـ.
ولعلم لم يكن محرمًا في شرعهم، وإنما كان خلاف الأَولى.
وقال شيخ شيوخنا في حاشيته: لا يصح هذا في حق الأنبياء، وما يُحكى أنه بعث أوريا إلى الغزو مرة بعد مرة، وأحبّ أن يُقتل ليتزوجها، فلا يليق من المتسمين بالصلاح من أبناء الناس، فضلًا عن بعض أعلام الأنبياء.
وقال علي - كرم الله وجهه: مَن حدّثكم بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصَّاص جلدتْه مائةً وستين) «2» ، وهو حدّ الفرية على الأنبياء - يعني الحدّ مرتين - ورُويَ: أن رجلًا حدّث بها عند عمرُ بنُ عبد العزيز، وعنده رجلٌ من أهل الحق، فكذَّب المحدِّث، وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله، فما ينبغي أن يُلتمَس خلافُها، ولا أن يُقال غير ذلك، وإن كانت على ما ذكرتَ، وقد سترها الله على نبيه، فما ينبغي إظهارَها عليه، فقال عمر: لَسَماعي لهذا الكلام أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس.
والذي يدلُّ عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا أنه طلب من زوج المرأة أن ينزل عنها فحسب، فتزوجها، وإنما جاءت على طريق التمثيل والتعريض، دون التصريح لكونها أبلغ في التوبيخ، من قِبَل أنّ المتأمل إذا أدّاه إلى الشعور بالمعرِّض به كان أوقع في نفسه، وأَشَدّ تمكُّنًا من قلبه، وأعظم أثرًا فيه، مع مراعاة حسن الأدب، بترك المجاهرة بالعتاب. قاله النّسفى.
(1) قال القاضي عياض في الشفاء (2/ 827) : لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب، الذين بدّلوا وغيّروا، ونقله المفسرون، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نصّ الله عليه في قصة داود: قوله: (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (4/ 31) : قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه .... فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عزَّ وجَلَّ، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضا. وانظر: الإسرائيليات والموضوعات لأبى شهبة (264 - 270) .
(2) قال الحافظ ابن حجر، في الكافي الشاف: (رقم 306) : لم أجده.