فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 814

(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) فيه التفات لإظهار مزيد الاعتناء، وقرئ: «وَإِنَّ مِنْهُمْ» . ويحتمل أن يكون الخطاب لجميع الخلق، أي: وإن منكم أيها الناس (إِلَّا وارِدُها) أي: واصلها وحاضرها، يمرُ بها المؤمنون وهي خامدة، وتنهار بغيرهم.

وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك فقال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلَ الجَنَّة الجَنَّة قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَليْسَ قَدْ وعدنَا ربُّنا أَنْ نَرِدَ النَّارَ؟ فَيُقالُ لَهُمْ: قَدْ وَرَدْتُمُوهَا وَهِيَ خَامِدَةٌ» .

وأما قوله تعالى: (أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) فالمراد به الإبعاد عن عذابها.

وقيل: ورودها: الجواز على الصراط بالمرور عليها.

وعن ابن مسعود: الضمير في (وارِدُها) للقيامة، وحينئذ فلا يعارض: (لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) ولا ما جاء فيمن يدخل الجنة بغير حساب، ولا مرور على الصراط، فضلًا عن الدخول فيها، على أنه اختلف في الورود، فقيل: الدخول وتكون بردًا وسلامًا على المؤمن.

وقيل: المرور كما تقدم.

وقيل: الإشراف عليها والاطّلاع.

قال القشيري: كلٌّ يَرِدُ النارَ، ولكن لا ضيْرَ منها ولا إحساس لأحدٍ إلا بمقدار ما عليه من السيئات، والزلل، فأشدُّهم فيها انهماكًا: أشدهم فيها بالنار اشتعالًا واحتراقًا، وأما بريء الساحة، نقي الجانب بعيد الذنوب، فكما في الخبر:

«إن النار عند مرورهم ربوة كربوة اللَّبَن - أي: جامدة كجمود اللبن حين يسخن - فيدخلونها ولا يحسون بها، فإذا عبروها قالوا: أليس قد وعدنا جهنم على الطريق؟ فيقال لهم: عبرتم وما شعرتم» . اهـ.

كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) أي: كان وُرودهم إياها أمرًا محتومًا أوجبه الله تعالى على ذاته، وقضى أنه لا بد من وقوعه. وقيل: أقسم عليه، ويشهد له: «إلا تحلة القسم» «1» .

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا الكفرَ والمعاصي، بأن تكون النار عليهم بردًا وسلامًا، على تفسير الورود بالدخول، وعن جابر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الوُرودُ الدُّخولُ، لا يَبْقَى بَرٌّ ولا فَاجِرٌ إِلاَّ دخَلَهَا، فَتَكُونُ عَلَى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلاَمًا، كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيم، حَتَّى إنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ» «2» .

وإن فسرنا الورود بالمرور، فنجاتهم بالمرور عليها والسلامة من الوقوع فيها، وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا: باركين على ركبهم، قال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، لا يجلس الرجل جاثيًا إلا عند كرب ينزل به. اهـ.

(1) يقصد حديث: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار، إلا تحلة القسم» أخرجه البخاري فى (الأيمان والنذر، باب قول الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» ) ومسلم فى (البر والصلة، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه) .

(2) أخرجه أحمد في المسند (3/ 329) والحاكم في المستدرك (الأهوال 4/ 587) ، والبيهقي في الشعب (1/ 336) ، من حديث جابر ابن عبد الله. والحديث: صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع (7/ 55) : رواه أحمد، ورجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت