فهرس الكتاب

الصفحة 326 من 814

(وَمِنَ اللَّيْلِ) أي: بعض الليل (فَتَهَجَّدْ بِهِ) أي: اترك الهجود، الذي هو النوم فيه، للصلاة بالقرآن، (نافِلَةً لَكَ) أي: فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس، أو فريضة زائدة لك لاختصاص وجوبها بك، أو نافلة زائدة لك على الفرائض غير واجبة. وكأنه، لما أمر بالفرائض، أمر بعدها بالنوافل.

وتطوعه - عليه الصلاة والسلام لزيادة الدرجات، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب لأنه مغفور له ما تقدّم وما تأخّر.

ثم ذكر ثوابه في حقه - عليه الصلاة والسلام - فقال: (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا) عندك وعند جميع الناس، وهي: الشفاعة العظمى.

وفيه تهوين لمشقة قيام الليل. رَوى أبو هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«المَقَام المحمُود هُوَ المَقَامُ الذي أَشْفَعُ فِيهِ لأمَّتِي «1» ».

وقال ابن عباس رضي الله عنه: مقامًا محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون، ويشرف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيُعطى، ويشفع فيُشَفَّع. وعن حذيفة: يُجْمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه، فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: «لبيك وسعديك. والشر ليس إليك، والمَهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» .

ثم يأذن له في الشفاعة. والله تعالى أعلم.

وقال ابن العربي المعافري في أحكامه: واخْتُلِفَ في وجه كون قيام الليل سببًا للمقام المحمود على قولين، فقيل:

إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببًا لفضله، من غير معرفة منا بوجه الحكمة.

وقيل: إن قيام الليل فيه الخلوة به تعالى، والمناجاة معه دون الناس، فيعطي الخلوة به والمناجاة في القيامة، فيكون مقامًا محمودًا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم.

وأجلُّهم فيه درجةً: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يُعط قبل، ويُشَفَّع فيَشْفَع. اهـ.

قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: إن ذلك مرتب على قوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ .. ) الآية، ولا يخص بقيام الليل، والصلاةُ، مطلقًا مفاتحةٌ للدخول على الله ومناجاةٌ له، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن «يخر ساجدًا حامدًا، فيؤذن حينئذ بالشفاعة» .

ومن تواضع رفعه الله. اهـ.

(1) أخرجه أحمد في المسند (2/ 441) ، والترمذي وحسّنه فى (التفسير، سورة الإسراء) ، والبيهقي في الدلائل (5/ 484) ، وأصل الحديث عند البخاري ومسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت