قال ابن جزي: فيه سؤالان:
الأول: كيف قال: (إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) وهم كفار، والكفار لا يغفر لهم؟
فالجواب: أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وإنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه لأن الخلق عباده، والمالك يفعل ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله وعزته، وفَرقٌ بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هذا الخطاب وقع لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء فلا إشكال، لأن المعنى: إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذٍ أحياء، وكل حيى مُعرض للتوبة.
السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لقوله: (إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) ، والأليق إن قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؟
فالجواب: أنه لما قصد التسليم له والتعظيم، كان قوله: (فإنك أنت العزيز الحكيم) أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم، والعزة تقتضي التعظيم، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدمها لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته، وأيهما فعل فهو جميل لحكمته.
وقال أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل: الغفور الرحيم لئلا يكون شفيعًا لهم بطلب المغفرة، فاقتصر على التسليم والتفويض، دون الطلب، إذ لا نصيب في المغفرة للكفار. انظر بقية كلامه.
قال التفتازاني: ذكر المغفرة، يوُهم أن الفاصلة: (الغفور الرحيم) ، لكن يُعرف بعد التأمل أن الواجب هو العزيز الحكيم لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، وهو العزيز، أي: الغالب، ثم وجب أن يوصف بالحكمة على سبيل الاحتراس لئلا يتوهم أنه خارج عن الحكمة. اهـ.