فهرس الكتاب
(وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) وهو ما قد يصدر منه صلّى الله عليه وسلم من خلاف الأولى، عبّر عنه بالذنب نظرًا إلى منصبه الجليل، كيف لا، وحسنات الأبرار سيئات المقربين؟
فكل مقام له آداب، فإذا أخلّ بشيء من آدابه أُمر بالاستغفار، فلمقام الرسالة آداب، ولمقام الولاية آداب، ولمقام الصلاح آداب، وضعفُ العبودية لا يقوم بجميع حقوق الربوبية، قال تعالى: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) .
وبالجملة، فالقيام بالآداب مع الله - تعالى - على ما يستحقه - سبحانه - حتى يُحيط العبد بجميع الآداب مع عظمة الربوبية محال عادة، قال صلّى الله عليه وسلم مع جلالة منصبه: «لا أُحصي ثناء عليك، أنتَ كَمَا أثنَيتَ عَلى نفسك» «1»
فكل ما قَرُبَ العبدُ من الحضرة شُدّد عليه في طلب الأدب، فإذا أخذته سِنةٌ أُمر بالاستغفار، ولذلك كان صلّى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس سبعين مرة، أو مائة، على ما في الأثر «2» .
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرَّحمن الفاسي، بعد كلام: والحق أن استغفاره صلّى الله عليه وسلم طلب ثبات المغفرة والستر من الوقوع، لا طلب العفو بعد الوقوع، وقد أخبره تعالى بأنه فعل. وقد يُقال: استغفار تعبُّد لا غير.
قال: والذي يظهر لي أن أمره بالاستغفار مع وعد الله بأنه مغفور له إشارة إلى الوقوف مع غيب المشيئة، لا مع الوعد، وذلك حقيقةٌ، والوقوف مع الوعد شريعة.
وقال الطيبي: إذا تيقنت أن الساعة آتية، وقد جاء أشراطها، فخُذ بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولى، فتمسّك بالتوحيد، ونزِّه اللهَ عما لا ينبغي، ثم طَهِّر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك، مِن ترك الأَولى، فإذا صِرت كاملًا في نفسك فكن مكمِلًا لغيرك، (واستغفر لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) . اهـ.
أي: استغفر لذنوبهم، بالدعاء لهم، وترغيبهم فيما يستدعي غفران ذنوبهم.
وفي إعادة الجار تنبيه على اختلاف متعلّقيه إذ ليس موجبُ استغفاره صلّى الله عليه وسلم كموجب استغفارهم، فسيئاته - عليه السلام - فرضًا - حسناتهم.
وفي حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه - أي: ولذنب المؤمنين - إشعار بعراقتهم في الذنوب، وفرط افتقارهم إلى الاستغفار.
(1) بعض حديث صحيح، أخرجه مسلم فى (الصلاة، باب ما يقال في الرّكوع والسجود ح 486) من حديث السيدة عائشة - رضي الله عنها.
(2) أخرج مسلم فى (الذكر والدعاء والتوبة، باب الاستغفار واستحباب الاستغفار والاستكثار منه ح 2702) عن الأغر المزني، قال:
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي وإنى لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» .