فهي عشرة ألفاظ. ولنبحث الآن: هل هي ألفاظ مترادفة أو متباينة، أو بعضها كذلك، والبعض الآخر من القسم الآخر، وما هو جائز على الله تعالى منها.» [1] . ثم شَرَعَ يُفَصِّلُ القول في الفروق بين هذه الألفاظ، فقال: «إنَّ الإرادة - كما تقدَّمَ تفسيرها - هي: الصفة المُخَصِّصة لأحد طرَفَي الممكن بما هو جائز عليه؛ من وجود أو عدم، أو هيئة دون هيئة، أو حالة دون حالة، أو زمان دون زمان ... غير أنَّها في المشاهَد لا يجب لها حصول مرادها، وفي حقّ الله تعالى يجب لها ذلك ...
وأمَّا العَزم؛ فهو: الإرادة الكائنة على وَفق الداعية، والداعية مَيلٌ يحصل في النفس لِمَا شَعَرتْ به، من اشتمال المراد على مصلحة خالصة أو راجحة، أو درء مفسدة خالصة أو راجحة. والمَيْلُ جائز على الخلق، ممتنع على الله تعالى؛ فلا جَرَمَ لا يُقال في حقّ الله تعالى: عَزَمَ، بمعنى: أرادَ الإرادةَ الخالصةَ المصمِّمة، بل عزائم الله تعالى طلبُهُ الراجح ... ؛ فإذا قلنا: «إنَّ الله تعالى يُحِبُّ أن تُؤتى رُخَصُهُ كما يُحِبُّ أن تُؤْتى عزائمُهُ» [2] ، فالمراد: مطلوباتُهُ، والطلب أحد أقسام الكلام، ليس من الإرادة في شيء ... فظهَر الفرق بين العزم والإرادة، وهو معنى قول بعض الفضلاء: العزم إرادة فيها تصميم.
وأمَّا الهَمُّ في مثل قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} (يوسف: 24) ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فلم يعمَلْها كُتِبَتْ له حسنة، ومن هَمَّ بسيِّئةٍ فلم يعمَلْها لم تُكْتَبْ عليه» [3] ؛ فالظاهر أنَّهُ مرادف للعزم، وأنّ معناهما واحد، ويستحيل على الله تعالى كما استحال العزم.
وأمَّا النيّةُ؛ فهي: إرادة تتعلّق بإمالة الفعل إلى بعض ما يَقْبله، لا بنفس الفعل [4] من حيث هو فعل؛ ففَرْقٌ بين قصدنا لفعل الصّلاة، وبين [5] قصدنا لكون
(1) الأُمنية في إدراك النيّة (في حقيقة النيّة) : 7 - 8.
(2) هذا حَديث لا قَوْل؛ رواه أحمد بن حنبل (241 هـ) في مُسْنَدِهِ. (ينظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته: 1/ 383) .
(3) هذا الحديث اتَّفَقَ على روايتِهِ البخاريّ (256 هـ) في صحيحه (الحديث رقم 6491) ، ومُسْلِم (261 هـ) في صحيحه (الأحاديث رقم 330 و 331 و 332 و 333 و 334 و 335 و 336 و 337) .
(4) يُخَطِّئُ بعضُهُم مثل هذا الاستعمال، ويرى أن الصحيحَ قولُنا: لا بالفِعْلِ نَفْسِهِ، وما كان على سننه من تأخير المؤَكِّدِ عن المؤَكَّدِ. ولكن مجمع اللُّغة العربيّة القاهري أجازَ تقديم لفظي (النفْس) و (العين) ، ونَصُّ = القرارُهو = قراره هو: «يُجاز تقدم لفظ (النفس) أو (العين) على المؤكَّد في معنى التوكيد، ولكنهما لا يُعْرَبان توكيدًا، بل بحسب الموقع في الجملة؛ وذلك لورود مثل ذلك في المأثور عن خاصَّة العلماء والكتَّاب، ولإجازة الزمخشري، وابن يعيش له، ولتعقيب الصّبّان في حاشية الأشموني على مانعيه.» (في أُصول اللُّغة: 2/ 191) .
(5) يُخَطِّئُ الحريريُّ (516 هـ) أن يقالَ: المالُ بينَ زيدٍ وبينَ عمرٍو، بتكرير لفظة (بينَ) ، ويقول إنَّ الصوابَ: المالُ بينَ زيدٍ وعمرٍو. (ينظر: دُرّة الغوّاص: 261) ، ويقول بالتخطئةِ نَفْسِها الكثيرُ من الكتّاب من بَعْدِهِ. ولكنَّ ابن بَرّي (582 هـ) أجاز إعادة (بينَ) على جهة التأكيد، محتجًا بالكثير من الشواهد المعتَبَرَة. (ينظر: الحواشي على درة الغوّاص: 762 - 764) . وأجاز إعادةَ (بينَ) أيضًا من المعاصِرِينَ: عباس أبو السعود في كتابه (أزاهير الفصحى في دقائق اللُّغة: 123 - 124) .