(400 هـ) في كتابه (الفروق اللّغويّة) ، وانتصر لَهُ القرافيّ ولجأ إليه ما أسْعَفَتْهُ حيلةٌ وهَداهُ دليلٌ.
واللاّفت للنّظر، أنَّ أبا هلال لم يلتفت إلى الدّلالة الاشتقاقيّة عند حديثه عن الفرق بين العامّ والسَّنَةِ، وهو المُؤَصِّل لها، فَفَرقَ بينهما بقوله: «العامْ جَمْعُ أيّام، والسَّنَة جمع شهور» [1] ، على حين كان الاشتقاق هو الفَيصَلَ عند القرافيّ.
ويَعني القرافيّ بنسبتِهِ هذا الاشتقاقَ إلى الاشتقاق الأكبر لا الأصغر أنَّهُ اشتقاق يجري على غير نمط محدَّدٍ ولا صيغةٍ مُطَّرِدَةٍ، وهو ما فَصَّلَهُ في كلامه على الفرق بين الاشتقاقين الأصغر والأكبر الذي أفْرَدتُ له فقرةً خاصّة.
وكأنّي بالقرافيّ - بتأكيده الدلالة الاشتقاقية هنا - يَرُدُّ من طَرْفٍ خَفِيٍّ على الذين يفرقون بين هذه الموادّ معتمدينَ وسائلَ غيرَ لغويّةٍ، ومنكرينَ في الوقت نفسه أن تكون هذه الألفاظ مشتقّةً. ومن أبرز هؤلاء الجواليقيّ (539 هـ) [2] الذي روى عن ثعلب (291 هـ) إمام الكوفيّين أنَّهُ قال: «السَّنَةُ من أيِّ يومٍ عددتَها فهي سَنَةُ، والعامُ لا يكون إلا شتاءً وصيفًا. وليس السَّنَةُ والعامُ مُشْتَقَّيْنِ من شيء.» [3] .
والرّاجح عندي - والله أعلم - أنَّ الألفاظ الثلاثة مُشْتَقَّةٌ، وأنَّ هذا مؤثِّرٌ في إيجاد الفروق الدّلاليّة بينها، ولاسيَّما السياقات اللّغويّة التي تجيء فيها.
وممّا يدلّ على أنَّ أصل الحَوْلِ هو تَغيُّر الشيء: قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} (الأنفال: 24) ، أي: يُصَرِّفُهُ كيف يشاء، وقولنا: حَوَّلْتُ الشيءَ فتَحَوَّلَ، أي: غَيَّرْتُهُ، وقوله تعالى: {لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} (الكهف: 108) ، أي: تحوّلًا وتحويلًا، و: حالَتِ الدار: تغيرتْ، و: أحالَتْ، أي: مضى عليها حَوْل، نحو: أعامَتْ، وأشْهَرَتْ [4] .
(1) الفروق اللّغويّة: 302.
(2) هو أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر، الجواليقي اللُّغويّ. كان من كبار أهل اللُّغة، ومن أهم كتبه: (شرح أدب الكاتب) ، و (المُعَرَّب) ، و (التكملة فيما يلحن فيه العامة) . (ينظر: نزهة الألباء: 293) .
(3) التكملة والذيل على درة الغوّاص: 847.
(4) ينظر: عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 1/ 749 - 751.