وحاصل ما ذكره القرافيّ هنا أنَّ الاشتقاق الأصغر - عنده - هو الذي يتعلق بأبنيةٍ خاصةٍ مُطَّرِدَةٍ تكونُ ثابتةً على نمط واحد، أمَّا الأكبر، فهو - عنده - ما لم يكن كذلك، أي لم تكن له أبنيةٌ ثابتةٌ مُطَّرِدةٌ.
وهذا التّقسيم - بالتّمييز بين ما يجري على نمط واحد وما يجري على غير نَمَط - لم يَجْرِ على سَنَنِ ما تعارَفَ عليه أهل العربيّة؛ إذ تعارفَ معظمهم على أنَّ الاشتقاق الأصغر (أو الصغير) هو «انتزاعُ كلمة من كلمة أُخرى، بتغيير في الصّيغة، مع تشابه بينهما في المعنى، واتفاق في الأحرف الأصليّة، وفي ترتيبها» [1] ، وذكره ابن جِنّي (392 هـ) بقوله: «فالصغير: ما في أيدي النّاس وكتبهم؛ كأن تأخذَ أصلًا من الأُصول، فتتقرَّاه، فتجمعَ بين معانيه، وإن اختلفَتْ صِيَغُهُ ومبانيه. وذلك كتركيب (س ل م) ؛ فإنك تأخُذُ منه معنى السلامة في تصرُّفِهِ؛ نحو: سَلِمَ، ويَسْلَمُ، وسالِم، وسَلْمان، وسَلْمى، والسَّلامة، والسَّليم: اللديغُ؛ أُطلِقَ عليه تفاؤلًا بالسّلامة.» [2] . وسمّى الدكتور إبراهيم أنيس هذا النوع بالاشتقاق العامّ [3] .
أمَّا الاشتقاق الأكبر عندهم، فقد عَرَّفَهُ إمامهم ابن جِنّي بقوله: «وأمَّا الاشتقاق الأكبر، فهو أن تأخذ أصلًا من الأُصول الثّلاثيّة، فتعقدَ عليه وعلى تقاليبه الستّة معنًى واحدًا، تجتمع التّراكيب الستّة وما يتصرف من كلّ واحد منها عليه، وإن تباعَدَ شيء من ذلك عنه رُدَّ بلطف الصنعة والتّأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التّركيب الواحد» [4] ، ومَثَّلَ ابن جِنّي لذلك بأمثلة منها مادّة (ق و ل) وتقاليبها، و (ك ل م) وتقاليبها، وأمثلة أُخرى [5] .
وواضِحٌ أنَّ هذا الاشتقاق الأكبر لا علاقَةَ له بذاك الذي ذكره القرافيّ، وأنّ ذلكَ يَدْخُلُ في ضمنِ الاشتقاق الأصغر (أو الصغير) عند ابن جِنّي، أي إنَّهُ قِسْم منه لا قَسيمٌ له، وهو الذي ذَكَرَ القرافيُّ أنَّ صاحبَ كتاب (الزينة في الكلمات
(1) الاشتقاق لعبد الله أمين: 1.
(2) الخصائص: 2/ 134.
(3) ينظر: من أسرار اللُّغة: 63.
(4) الخصائص: 2/ 134.
(5) ينظر: الخصائص: 2/ 134 - 138.