الإسلاميّة العربيّة) أبا حاتِمٍ الرّازيّ (322 هـ) [1] ذَكَرَهُ في كتابه؛ إذ رَبَطَ بين الألفاظ ومدلولاتها ربطًا وثيقًا، وحاوَلَ رَجْعَ كثير من الألفاظ المُشْتَرِكَة في حروفها إلى معنًى أصليّ عامّ، منه اشتُقَّتْ تلك الكلمات [2] . وقد بلغ هذا التّوجّه الاشتقاقيّ ذروته عند ابن فارس (395 هـ) ، الذي تبلورت في معجمه (معجم مقاييس اللُّغة) فكرة الدّلالة المحورية للجذر اللُّغويّ، أي: الدّلالة التي تدور حَولَها كلّ استعمالاته، وذلك بسيرِهِ على منهج شِبْهِ مُطَّرِدٍ يتمثل في ذَكَرَ الحروف المكوِّنَة للجذر المُعالَج، فَذِكْرِ الدّلالة (أو الدّلالات) المحوريّة لهذا الجذر، ثُمَّ عَرْضِ استعمالات هذا الجذر وتفسيرِها في ضوء هذه الدّلالة المحوريّة [3] .
وقد تناوَلَ الزّركشيّ (794 هـ) قسمَي الاشتقاق اللّذينِ نَقَلْتُهُما عن القرافيّ آنفًا، غيرَ أنَّهُ لم يُسَمِّهما بما سَمّاهما به، بل سَمّى الأوَّل مُطَّرِدًا، والآخَر مُخْتَصًّا، وذَكَرَ أنَّ ضابَطَ هذا التقسيم هو دخول معنى الأصْلِ في التسمية، أو تصحيحُهُ للتسمية من غيرِ دخوله فيها؛ فإذا اعتُبِرَ من حيث أنَّهُ داخلٌ في التّسمية، والمرادُ: ذاتٌ ما باعتبارِ نِسبةٍ له إليها، فهذا يَطَّرِدُ في كلّ ذات كذلك، وذلك نحو: اسم الفاعل، وما في معناه من اسم المفعول، والصفة المشبّهة، وأفعل التّفضيل، والزّمان، والمكان، والآلة. وإذا اعتُبِرَ من حيث أنَّهُ مصحِّح للتّسمية، مُرَجِّحٌ لها من الأسماء، من غير دخولِهِ في التّسمية، والمراد: ذاتٌ مخصوصةٌ، فيها المعنى لا مِن حيثُ هو فيها، بل باعتبار خصوصها، فهذا لا يَطَّرِدُ، وهو المختصّ، نحو: القارورة، لاختصاصها بالزّجاجة، والدَّبَرَان لمنزلة القَمَر؛ فإنّهما لم يَطَّرِدَا مع اشتقاقهما من الاستقرار، والدَّبُوْرِ. وحاصل الفرق بين القسمين عند الزّركشيّ: تسميَةُ الغيرِ لوجودِهِ فيه، أو بوجودِهِ فيه [4] .
(1) هو أبو حاتم أحمد بن حمدان بن أحمد الورسامي الليثي. ذَكَرَ أنَّهُ عَرَبي من المغرب، وأنه استقر في الرّيّ ونُسِبَ إليها، بَرَعَ في اللُّغة وعلم الكلام، ومن أهم كتبه: (أعلام النبوة) ، و (الزينة) . (ينظر: مقدمة تحقيق كتاب الزينة: 29 - 34، و: التبصير في الدّين: 141) .
(2) ينظر: مقدمة إبراهيم أنيس لكتاب الزينة في الكلمات الإسلامية العربيّة: 12.
(3) ينظر: الدلالة المحورية في معجم مقاييس اللُّغة: 22.
(4) ينظر: تشنيف المسامع بجمع الجوامع: 1/ 206.