فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 462

وممّا يدلّ على عَدَم استقرار المصطلح عند القرافيّ أنَّهُ عَرَضَ لتقسيم الاشتقاق في موضع آخر، ولكن باعتبارٍ آخَرَ مختلفٍ، وهو اعتبارُ كونِ الاشتقاق من المصدر، أو من غيرِهِ؛ فالاشتقاق الأصغر - بهذا الاعتبار - عنده هو: «ما كان من المصادر عند البصريّين، كاسم الفاعل، واسم المفعول، واسم المكان، واسم الآلة، والفعل الماضي، والمضارع، ونحوها. والاشتقاق الأكبر: ما كان من غيرِ ذلك ... ، وهو ما يكون من جميع الحقائق، نحو: استنوَقَ البعيرُ، واستَنْسَرَ البُغاثُ: من الناقةِ، والنَّسْرِ، واستَحْجَرَ الطينُ، ونحو ذلك» [1] . وهذا التقسيم - وإن لم يوافق فيما ينصرف إليه قسماه ما ذَهَبَ إليه الجمهور - يستند إلى تقسيمٍ معتَبَر للاسم عند النّحاة من حيث الجمودُ والاشتقاقُ؛ إذ هو عندهم قسمان؛ أحدهما: الاسم الجامد، وهو ما لم يُؤْخَذْ من غيرِهِ، فليسَ له أصل يَرْجِعُ إليه، نحو: شجرة، وقلم، وأسد، وحَجَر، وغيرها، وهي المسمّاة: أسماء الذات، أو أسماء الأعيان. والآخَر: الاسم المُشْتَقّ، وهو ما أُخِذَ من غيرِهِ، بأن يكونَ له أصْلٌ يُنْسَبُ له، ويتفرّع عنه [2] .

وقد قَسَّمَ القدماءُ الاشتقاقَ من أسماء الأعيان على قسمين: قسم رُجِّحَ قَبولُهُ، وهو اشتقاق صيغة (مَفْعَلَة) من الجامد الثلاثي، للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسّيّ، نحو: أرض مَسْبَعَة، ومَأْسَدَة، ومَذْأبَة. والقسم الآخَر يخالفُ ما سَبَقَ، واتّجه رأيُ الأغلبيّةِ من القدماءِ إلى منعه، والتشديدِ في حَظْرِ القياسِ عليه [3] .

ولعلّ السّببَ في إحجام المتقدّمينَ عن التّصريح بقياسيّة الاشتقاق من أسماء الأعيان يرجع إلى أمرين؛ أحدهما: قلّة ما جاء من مشتقّات الأعيان ولو بَلَغَت أُلوفًا، بالنسبة إلى ما ورد من مشتقّات أسماء المعاني التي تُعَدّ بعَشَرات الألوف. والآخَر: أنَّ المشتقّ يدلّ على حَدَثٍ إمَّا قائِمٍ بذات، وإمَّا مرتبطٍ بزمانٍ أو مكان، والاسمُ الدالُّ على الحدث مجرّدًا هو الأصل الذي تنشأ عنه المشتقّات، وهذا الأصْلُ هو المصدرُ على رأي البصريّين [4] .

(1) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في الأسماء المشتقة) : 2/ 677.

(2) ينظر: دراسات في الدلالة والمعجم: 124.

(3) ينظر: دراسات في الدلالة والمعجم: 125.

(4) ينظر: دراسات في الدلالة والمعجم: 126 - 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت