وَمَن تبعه؛ فإنَّهُ كان يجيز مدّ المقصور كما أجازَ قصرَ كلّ ممدود من غير استثناء ولا شرط» [1] . فالأمر - إذًا - ليسَ كما قال القرافيّ؛ فالكوفيّون مع البصريّين في جواز قصر الممدود، لكنهم خالفوهم في تجويز مدّ المقصور.
واختيارُ البصريّين الفرقَ بين قصر الممدود ومد المقصور مبنيّ على أنَّ «المقصور هو الأصل، والذي يدلّ على أنَّ المقصور هو الأصل أنَّ الألف تكون فيه أصليّة وزائدة، والألف لا تكون في الممدود إلا زائدة. والذي يدلّ على ذلك أيضًا أنَّهُ لو لم يُعلم الاسم هل هو مقصور أو ممدود لوجب أن يُلْحَق بالمقصور دون الممدود، فدلّ على أنَّهُ الأصل ... ، ويُخَرَّج على هذا قصر الممدود؛ فإنَّهُ جاز لأنَّه رَدٌّ إلى أصل، بخلاف مدّ المقصور، لأنَّه رَدٌّ إلى غير أصل.» [2] . وذَكَرَ السيرافيّ (368 هـ) علّة أُخرى لهذا الفرق، قائلًا: «قصرُ الممدود تخفيف، وقد رأينا العرب تخفِّف بالترخيم وغيره ... ، ولم نَرَهُم يُثَقِّلون الكلامَ بزيادة الحروف كما يخفِّفونه بحذفها، فذلك فرقَ بينهما» [3] .
والرّاجحُ عندي - والله أعلم - الأخذ برأي مَن يقول بجواز مدّ المقصور في الضرورة الشعريّة، لأنّ الشّعرَ محلّ التيسير، ولمجيء بعض الشواهد عليه، نحو قول الشاعر:
سَيُغْنيني الذي أغناكَ عَنّي ... فلا فَقْرٌ يَدُومُ ولا غِنَاءُ
وقد قَدَّرَ البصريّون الغناءَ في البيت مصدرًا لـ (غانَيْتُ) ليَطَّرِدَ لهم أصلهم، وهو تَعَسُّفٌ منهم، كما حَكَمَ بذلك ابن هشام (761 هـ) [4] .
وأمَّا الفرق الثّاني الذي ذكره القرافيّ، فهو بين صَرْفِ ما لا ينصرف، وتركِ صَرْف ما ينصرف، وَقَد أكَّدَ السيرافيّ ما قاله القرافيّ، فَذَكَرَ أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرف جائز في كلّ الأسماء مُطَّرِد فيها، لأنّ الأسماءَ أصْلُها الصَّرْفُ ودخولُ التّنوينِ عليها، وإنّما تمتنع من الصرف لعللٍ تَدْخُلُها، فإذا اضطُرَّ الشاعرُ رَدَّها إلى
(1) ما يحتمل الشعر من الضرورة: 110.
(2) الإنصاف في مسائل الخلاف: 607 - 608.
(3) ما يحتمل الشعر من الضرورة: 115.
(4) ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك وبهامشه ضياء السالك: 4/ 168.