فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 462

النّحاة والأُصوليّين، فإنّها متناقضة في ظاهر الحال؛ فقال أئمّة اللُّغة والنّحو: إنَّ جموع السّلام ... لأقلّ الجمع، وهو العشرة فما دونها، لا يتناول ما فوقها، ومن جموع التّكسير ما هو موضوع للعشرة فما دونها، ولا يتناول ما فوقها أيضًا ... فهذه كلّها عند اللّغويّين موضوعة للعشرة فما دونها، ولا تتناول ما فوق العشرة البتّةَ. وهذا النقل يقتضي أنَّها في غاية المنافاة لاقتضاء العموم؛ فإن العموم مدلولُهُ غيرُ متناهٍ وغير محصور، والعشرة فما دونها متناهية ومحصورة، فبين البابين تنافٍ شديدٌ.

وقال الأُصوليّون: إنَّ (المشركين) و (المؤمنين) ونحو ذلك مِن صيغ العموم، وكذلك (الأحمال) و (الأجمال) و (الصِّبْيَة) و (الأفْلُسُ) ونحوها، كلّها موضوعة للعموم، ويتناولُ - لغةً - ما لا يتناهى وما لا ينحصر. وهذا النقل ظاهِرُهُ مناقض للنّقل الأوّل، والأُصوليّون طائفة عظيمةُ الشأنِ كثيرةُ العدَدِ، لا يمكن تخطئتها في النقل عن العرب، وكذلك النّحاة واللّغويّون ... ولا يمكن أن يقال: إنَّ النّحاة واللّغويين أقعد بلسان العرب من الأُصوليّين، فيُقَدَّمون عليهم ... فلابُدَّ من الفكرة في معنى القولين، حتّى يقع الجمع بينهما. وقد أشار إمام الحَرَمَيْنِ والإمام فخر الدّين في (المحصول) إلى طريق الجمع بينهما، بأنْ نعتقد أنَّ قول الأُصوليّين محمول على التّعريف باللاّم أو الإضافة ... ويُحْمَل قول اللّغويّين والنّحاة على حالة التنكير ... » [1] .

ثُمَّ نقل القرافيّ عن أئمة اللُّغة أنَّ جموع القلّة وجموع الكثرة قد تُستعار كلّ واحدة منهما للأُخرى، مُؤكِّدًا أنَّ إطلاق الاستعارة إنّما يكون في المجاز؛ لأنَّ الحقيقة لا يقال فيها (استعارة) إجماعًا [2] .

ثُمَّ نقل القرافيّ تضافر مباحث المفسّرين والنّحاة على توجيه قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) على وَفْق هذا المعنى؛ فقال: «وكذلك تضافَرَت مباحث المفسِّرين والنّحاة في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) ، فقالوا: كيف جمع بين لفظة الثّلاثة التي هي دون العشرة، وبين لفظ (القروء) ، الذي وزنه (فُعُول) ، الذي هو من جموع الكثرة ... ، مع أنَّ

(1) العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 67 - 68.

(2) ينظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت