(وأسيافنا) ، و (أسياف) جَمع لأدنى العَدَد، والكثير: (سيوف) . و (الجفنات) لأدنى العدد، والكثير: (جِفان) . وقال: (فَخَرْتَ بَمَن وَلَدتَ) ؛ لأنّه قال: (وَلَدْنا بني العنقاء وابْنَي محرّق) ، فَتَرَك الفخرَ بآبائِهِ، وفَخَر بمن وَلَدَ نساؤُهُ.» [1] . فكان انقطاعُ حسّان بينَ يدي النّابغة زيادةَ تأكيدٍ للإلْفِ العربيّ في استعمالات صيغ الجموع قلةً وكثرةً، وتفاوتِ دلالاتها تبعًا لذلك [2] .
وإنَّ ممّا يُؤْخَذُ على مَنْ خاضوا في هذا الشّأن من المعاصرينَ عَدَمَ استيفائِهم النَّظَرَ في كلام النّحاة، ولو أنهّم فعلوا ذلك لعلموا أنَّ القول بامتلاء القرآن بصيغ القلّة التي أُريدَ بها الكَثْرةُ وبعكسِ ذلك - صحيحٌ، «لكنّه لا يَنْقُضُ ما قالَهُ النّحاةُ من تبادل الصّيغ مواضِعَها لحكمة يَدُسُّها المتكلّم في ثنايا الصّيغ المستعارةِ لغيرِها وليسَ ذلك دليلَ ضُعفِ الرّأي؛ لأنَّ الخروج عن مقتضى الظّاهر في صيغ الألفاظ نهجٌ مسلوك في لسان العرب، وفن من فنون البلاغة العربيّة.» [3] . كما أنَّ هؤلاء أغفلوا - عمدًا أو سَهْوًا - ما قاله النّحاة من أنَّ اختصاص الجمع بالقلّة أو الكثرة إنّما هو فيما وُجِدَتْ له صيغتان؛ إحداهما للقلّة، والأُخرى للكثرة، أمَّا إذا لم يكن له إلاّ صيغة واحدة، فإنّها حينئذ تُسْتَعْمَل للقلّة والكَثرة، وحينئذ يكون الفيصل في تعيين دلالتها هو القرائن [4] .
ولعلَّ أشهَرَ ما تردَّدَ على ألسنة الباحثينَ من صيغ الجموع مثالًا لوضِع الكثرة موضع القلّة: الآية التي ذكرها القرافيّ، وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ؛ فالقروء جمع كثرة، ولها جمع قلّة هو الأقراء، وقد استخدمه الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في قوله: «تَدَعُ الصّلاةَ أيامَ أقرائِها» [5] .
وقد اتَّخَذَ بعضُ الباحثين هذا المثالَ دليلًا على وَهن القول بصيغٍ للقلّة وأُخرى للكَثْرة؛ فهذا القرآن يستعمل صيغةَ الكثرةِ مُرادًا بها أدنى العَدَد، يُظاهِرُهُم ما
(1) المُوَشَّح في مآخذ العلماء على الشعراء: 76.
(2) ينظر: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 7.
(3) الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 9.
(4) ينظر: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 9.
(5) روى هذا الحديثَ أبو داودَ (275 هـ) في سُنَنِهِ (الحديث رقم 297) .