فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 462

الكثرة)، جاء فيه: (الجمع أيًّا كان نوعُهُ؛ جمعَ تكسير أو جمعَ تصحيحٍ، يدلّ على القليل والكثير، وإنّما يتعيَّن أحدهما بقرينة) [1] .

ولئن صَحَّ هذا الإطلاق في حَقّ الخطاب الإبلاغيّ الذي يُتَوَسَّلُ به إلى التّفاهم اليوميّ بين البشر، فما إخالُهُ يَصحّ في حقّ الخطاب البلاغيّ الذي يسمو على سابقه بتحرّيه أوجه الإبداع في الأداء الكلاميّ، بَلْهَ أن يَصحَّ في حق الخطاب الإعجازيّ الذي لا يمكن أن تكون أيّة كلمة فيه إلا مقصودةً لذاتها، مُتأبّيةً أن تحلَّ محلَّ غيرِها أو أن تحلّ غيرُها محلَّها.

واللاّفتُ للنّظر أنَّ مجمع اللُّغة العربيّة القاهريّ كانت له يَدٌ بيضاء في الحثّ على تتبّع الفروق الدّلاليّة بين الكلمات، وتضييق دائرة المترادفات ما أمكن، بإصداره قرارًا بهذا الشّأن، يوصي بأن «يُعنى كلّ العناية بتبيان الفروق الدّلاليّة بين الكلمات ما أمكن، بحيث يتحدّد المعنى الخاصّ الدّقيق لكلّ كلمة، وبذلك تضيق دائرة المترادفات» [2] ، فلو أنَّهُ استصحبَ هذا الأصلَ عند حديثه عن جموع القلّة وجموع الكثرة لاستقامَ له توجُّهُهُ واطَّرَدَ.

ولَعَلَّ فيما ساقَهُ المرزبانيّ (384 هـ) [3] من نقدِ النابغةِ الذبيانيّ بعضَ شعرِ حسّانَ بنِ ثابتٍ ما يكفي في إثبات تمييز العرب بين جموع القلّة وجموع الكثرة؛ فبعد أن ساق المرزبانيّ بيتي حسّان:

لَنا الجَفَناتُ العُزُّ يَلْمَعْنَ بالضحى ... وأسيافُنا يقطرْنَ مِن نجدةٍ دَما

وَلَدْنا بني العنقاءِ وابنيَ مُحَرّقٍ ... فأكْرِمْ بنا خالًا وأكْرِمْ بنا ابْنَما

قال: «فقال له النّابغة: أنت شاعر، ولكنك أقْلَلْتَ جِفانَك وأسيافَك، وفَخَرْتَ بمَنْ وَلَدتَ، ولم تَفْخَر بمَن وَلَدَك ... قال الصوليّ: فانظر إلى هذا النّقد الجليل الذي يدلّ عليه نَقاءُ كلام النّابغة وديباجة شعره؛ قال له: أقْلَلْتَ أسيافَك؛ لأنّه قال:

(1) في أُصول اللُّغة: 3/ 76.

(2) في أُصول اللُّغة: 1/ 72.

(3) هو علي بن عمران بن موسى بن عبيد، أبو عبيد الله الكاتب، المعروف بالمرزُبَانيّ. وهو - وإن لم يتخصص بعِلْمَي النحو واللغة - قد ألَّف في أخبار جامعي النحو واللغة والمصنفينَ فيهما كتابًا كبيرًا سماه (المُقْتَبَس) ، وله كتب أُخرى، من أهمها: (المعْجَم في أسماء الشعراء) ، و (المُوَشَّح) . (ينظر: إنباه الرواة: 3/ 180 - 182) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت