1.ما ذَكَرَهُ القرافيّ من أنَّ التّشبيه لا يقع في الدّعاء إلا بالمستقبل، تَعَقَّبَهُ فيه الفقيه المالكيّ ابنُ الشّاط (723 هـ) [1] بقوله: «ما قاله وأطلقَ قولَهُ فيه من أنَّ التّشبيه لا يقع في الدّعاء إلاّ بالمستقبل - ليس بصحيح، وما المانع من ذلك؟ ... وما قاله من أنَّ السبب في أنَّ التّشبيه في الدّعاء لا يكون إلا بالمستقبل كونُ هذه الألفاظ [2] لا تتعلّق إلاّ بالمستقبل - ليس كذلك؛ فإنَّ كون هذه الألفاظ لا تتعلّق إلاّ بالمستقبل لا يَمْنَعُ من تشبيه ما يتعلّق به بغير المستقبل؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يُريدَ تشبيهَ دُعاءٍ بدعاءٍ، وأمرٍ بأمرٍ، وما أشبَه ذلك، فما قاله صحيحٌ.» [3] .
فقد نَصَّ ابن الشّاط على أنَّ قاعدة القرافيّ تصحّ عند تشبيه دعاءٍ بدعاءٍ، وما أشبه ذلك، أمَّا عند تشبيه دعاءٍ بغيرِهِ فلا. ويبدو أنَّ الغفلة عن هذا هي التي تسبّبت في أن وَجَّهَ القرافيّ قولَ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بما وَجَّهَهُ به؛ فالظاهرُ أنَّ التّشبيه فيه إنّما كان بين دعاءٍ مستقبل هو «اللَّهُمَّ صَلِّ» ، وخبر ماضٍ هو: «كما صلَّيتَ» ، وليس بين دعاءين مستقبلين.
2.ما رَجَّحَهُ القرافيّ من توجيهٍ لتشبيه النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، متعقّبًا به توجيهَ شيخِهِ العِزّ - ضَعَّفَهُ ابن قيّم الجَوزيّة، مُرَجِّحًا توجيه العِزِّ عليه، وواصفًا هذا الأخيرَ بقوله: «وهذا أحسن من كلّ ما تَقَدَّمَه.» [4] . ثم ذَكَرَ ابن القيّم توجيهًا هو عنده خيرٌ من غيره؛ فقال: «وأحسن منه أن يقال: محمّد - صلى الله عليه وسلم - هو من آل إبراهيم، بل هو خيرُ آلِ إبراهيم ... فيكون قولنا: (كما صلّيتَ على آلِ إبراهيم) متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النّبيّين من ذرية إبراهيم. ثمّ قد أمَرَنا اللهُ أن نصلّي عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلّينا عليه مع سائر آلِ إبراهيم عمومًا، وهو
(1) هو قاسم بن عبد الله بن محمد بن الشّاط الأنصاريّ السّبتيّ المالكيّ، أبو القاسم، والشّاط اسم جَدِّه. بَرَعَ في الفقه والعربيّة والأدب والعقليّات. من أهم كتبه: إدرار الشروق على أنواء الفروق، في تعقّب الفروق للقرافيّ، وغنية الرّائض، وتحرير الجواب في توفير الثواب. (ينظر: الفكر السّامي: 4/ 280) .
(2) يعني ألفاظ: الأمر، والنّهي، والدّعاء، والشّرط، والجزاء، والوعد، والوعيد، والتّرجّي، والتّمني، والإباحة.
(3) إدرار الشروق على أنواء الفروق - بهامش أنوار البروق في أنواء الفروق - 55.
(4) جلاء الأفهام في فضل الصّلاة والسّلام على محمّد خير الأنام: 290.