فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 462

وقد ذَكَرَ الفَتّوحيُّ (972 هـ) أنَّ التعريف السّابق للمُرَكَّب إنّما هو تعريفُ المناطقةِ والأصوليينَ، أمَّا تعريفُهُ عند النّحاة فهو أنَّهُ ما كان أكثرَ من كلمة، ولذلك كان نَحوُ (يَضْرِبُ) مفردًا على مذهب النّحاة، ومُرَكَّبًا على مذهب المناطقةِ والأُصوليّينَ؛ لأنَّ الياء منه تدلّ على جزء معناه، وهو المضارَعَة [1] .

ويتّضحُ ما قالَهُ الفتّوحيُّ أكثرَ بمعرفة تعريف النّحويّينَ للكلمة الذي حاولوا من طريقِهِ قطعَ الطريقِ على من يحاولُ عَدَّ نحو (يَضربُ) مركّبًا - على ما قاله القرافيّ والأُصوليّون -، وهو ما ذَكَرَه السّيوطيُّ (911 هـ) بأنّها: قولٌ مُفْرَدٌ مُسْتَقِلّ، قائِلًا إنَّهُ قد خَرَج بـ (المفردِ) المُرَكَّبُ، وبـ (المستقلِّ) أبعاضُ الكلمات الدّالّة على معنًى، كحروف المُضارَعَة، وياءِ النَّسَب، وتاءِ التأنيث، وألفِ (ضارِب) ؛ فليست بكلمات، لعدم استقلالها. ثم ذَكَرَ السّيوطيُّ أنَّ مَنْ أسْقَطَ هذا القَيْدَ (أي مُسْتَقلّ) رأى أنَّها مع ما هي فيه كلمتان صارتا واحدةً لشدة الامتزاج، فَجُعِلَ الإعرابُ على آخِرِه، كالمركّب المزجيّ [2] .

والحَقُّ أنَّ تعريفَ المُرَكَّب بأنَّهُ ما يُقْصَدُ بجزء منه الدّلالةُ على جزء معناه - وإن كان ألصقَ بمذهبِ الأُصوليّينَ منه بمذهب النّحويّينَ - تبنّاه بعضُ النّحويّينَ، غيرَ أنَّهُ لم يَلْتَزِم ما التَزَمَهُ القرافيُّ وغيرُهُ من الأُصوليّينَ مِنَ القول بتركيبِ نحو (يَضْرِب) استنادًا إليه، بل بقيَ على ما تبنّاه النّحويّون؛ فبَعْدَ أن عَرَّفَ الفاكِهِيُّ (972 هـ) [3] المركَّبَ بما عَرَّفَهُ به الأُصوليّون، وهو أنَّهُ ما يُقْصَدُ بجزء منه الدّلالةُ على جزء معناه المقصودِ، ومَثَّلَ له بـ (غلام زيد) ، ذَكَرَ نَحوَ ما ذكره السّيوطيّ؛ فقال:

(1) ينظر: شرح الكوكب المنير: 1/ 109.

(2) ينظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: 1/ 4 - 5.

(3) هو عبد الله بن أحمد بن علي بن محمّد بن علي بن محمّد بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر نور الدّين الفاكهيّ المكّيّ الشّافعيّ، جمال الدّين. كان من كبار العلماء، مشاركًا في جميع العلوم، وكان آيةً في علم النّحو. من أهم كتبه: مجيب النِّدا إلى شرح قطر النّدى، وشرح الحدود النّحويّة. (ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب شرح الحدود النّحويّة: 13 - 48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت