4)؛ وثالثٍ، وهو أنَّ جَرَّها بـ (مِنْ) أكثرُ مِن نصبها، حتّى إنَّها لم تجئ في التّنزيل منصوبةً، وجَرُّ (عندَ) كثير، وجَرُّ (لدى) ممتنع؛ ورابعٍ، وهو أنّهما مُعْرَبانِ، وهي مَبْنِيَّةٌ في لغةِ الأكثرينَ؛ وخامسٍ، وهو أنَّها قد تضاف للجملة ... ؛ وسادسٍ، وهو أنَّها قد لا تُضاف، وذلك أنّهم حَكَوا في (غدوة) الواقعة بعدها الجرَّ بالإضافةِ، والنّصبَ على التّمييز، والرفعَ بإضمار (كان) تامّة.» [1] .
3.قوله: «فَذَكَر العِلْمَ مع (لَدُنْ) لأنّه أفضل ... الخ» مستفادٌ من أنَّ (عندَ) أعمّ من (لدى) ؛ لأنَّ (عند) - كما ذَكَرَ القرافيّ وغيره - لِمَا حَضَرَ أو غاب، أمَّا (لدى) فلِمَا حَضَرَ خاصّةً. ولما كانت (لدن) لغةً في (لدى) عند القرافيّ جَعَلَ حُكمَها حُكْمَ (لدى) ، فَذَكَرَ أنَّ العِلْمَ اقترن بـ (لدن) لخصوصهما، وأنّ الرّحمة اقترنت بـ (عند) لعمومهما، ولكنّ عبارَتَهُ لم تكن بَيِّنَةً واضحةً في ذلك. وقد كانت عبارة الزّركشيّ (794 هـ) أوفى بهذا المعنى؛ إذ قال: « (عندَ) ... أعمّ من (لَدُنْ) ؛ ويُستأنَسُ له بقوله: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} (الكهف: 65) ، أي: من العلم الخاصّ بنا، وهو علم الغيب» [2] . وقال الفيروزآباديّ (817 هـ) : «والعِلم اللَّدُنِّيُّ: ما يحصل للعبد بغيرِ واسِطَةٍ، بل إلهام من الله تعالى، كما حصل للخضر - عليه السلام - بغير واسطة موسى؛ قال تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} (الكهف: 65) ... وكان ما لَدُنْهُ أخصّ وأقربَ ممّا عندَه، ولهذا قال: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (الإسراء: 80) ، فالسّلطان النّصير الذي من لدنه سبحانه أخصّ من الذي عنده وأقرب وهو نَصْرُهُ الذي أيَّدَهُ به، والذي عِنْدَهُ نَصْرُهُ بالمؤمنين؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 62) » [3] .
(1) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 315 - 316.
(2) البرهان في علوم القرآن: 4/ 290.
(3) بصائر ذوي التّمييز في لطائف الكتاب العزيز: 4/ 426.