جنس القوم، وحكمتَ أوّلًا بالقيام، وعلى زيدٍ بعدم القيام، وهو نقيضُ القيام، فهذا متّصل، وإذا قُلْنا: قام القومُ إلاّ فَرَسًا، فالحُكْمُ وإن وقع بالنّقيض على الفرس الذي هو عدم القيام، لكنّ الفرس ليس من جنس القوم، فكان منقطعًا. فإنْ قلت: قام القوم إلاّ زيدًا سافَرَ، كان منقطعًا أيضًا، لأنّك حكمت على زيد الذي هو من الجنس بغير النّقيض الذي هو عدم القيام، بل بحكم آخر الذي هو السّفر، فحصل الانقطاع للحكم بغير النّقيض الذي هو السّفر، لا للحكم على غير الجنس. وبهذه الطريقة يظهر لك معنى الانقطاع في الآيات المتقّدمة؛ فإنَّ قوله تعالى: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى} أنَّ الموتة الأولى وإن كانت من جنس الموت المتقدّم، لكنّ الحكم وقع بعد (إلاّ) بغير النّقيض، فإنَّ الحكم المتقدم عدمُ ذَواقِ الموتِ في الجَنَّةِ، ونقيضُ عدمِ الذّواقِ فيها الذّواقُ فيها، ولم يحكم به بل بالذّواق في الدّنيا؛ فإنَّ الموتة الأُولى إنّما ذاقوها في الدّنيا، فقد حكم بغير النّقيض، فكان منقطعًا، للحكم بغير النّقيض، لا للحكم بغير الجنس.
وكذلك قوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} ، فالحكم وإن لم يقع على غير الجنس لكنّه وقع بغير النّقيض؛ بيانُهُ: أنَّ نقيضَ قولنا: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل: كُلُوها بالباطل؛ لأنَّ المتقدّم سَلْبٌ فنقيضُهُ إيجابٌ، ولم يحكم به سبحانه وتعالى، بل بشيءٍ آخَرَ غير النّقيض، فإنَّ تقديرَ الآيةِ: إلاّ أن تكونَ الأموالُ تجارةً فكُلُوها بالسَّبَبِ الحقّ، وليس هذا نقيضَ ما تقدم، بل ضدَّهُ، فلمّا كانَ الحكمُ بغيرِ النّقيضِ كان منقطعًا. وكذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} : لم يقع الحكم فيه بالنّقيض، لأنَّ نقيض (ما كان له أن يقتل) : (كان له أن يقتل) ، ولم يحكم به سبحانه وتعالى، لأنَّ اللام معناه في مثل هذا السّياق الإباحة؛ فإذا قال الله تعالى: لكم أن تفعلوا، كان إذنًا وإباحةً، والقتل الخطأ ليس مباحًا، بل هو مَعْفُوٌّ عنه، والمعفُوُّ عنه كالخطأ والنّسيان وفعل النّائم لا يقال إنَّهُ مباحٌ ولا مُحَرَّمٌ؛ فإنَّ الله تعالى لم يَأْذَن في قتل المؤمن بغير جناية البتّةَ، بل عفا عن جناية الخطأِ فقط، أمَّا أنَّهُ أباحها فلا، وكذلك السّاهي والنّائم وبقيّة النّظائر، فالآية