منه، ولو كان المنقطع هو المستثنى من غير الجنس لكان المثال المذكور منقطعًا، وليس كذلك.» [1] .
وجاء ابن قيِّم الجوزيّة (751 هـ) بعد القرافيّ، فحاول صياغة توجيه جديد للاستثناء المنقطع؛ فَحَدَّهُ بأن «يكون منقطعًا عمّا قبلَه؛ إمَّا في العمل؛ وإمَّا في تناوله له؛ فالمنقطع تناولًا: جاء القومُ إلاّ حمارًا، والمنقطع عملًا؛ نحو قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ - إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ - فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} (الغاشية: 22 - 24) ، فهذا استثناء منقطع بجملة» [2] ، وذَكَرَ ابن القيِّم أنَّ فائدة الاستثناء هنا كفائدة الاستدراك [3] .
والحَقُّ أنَّ ما قاله ابن القيِّم لا يَخْرُجُ في أصلِهِ عمّا قاله كثير من قدامى النّحويّين من أنَّ (إلاّ) في الاستثناء المنقطع تُقَدَّرُ بـ (لكِن) ؛ قال سيبويه (180 هـ) : «هذا باب ما لا يكون إلاّ على معنى (ولكن) ؛ فمن ذلك قوله تعالى: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} (هود: 43) ، وقوله عز وجل: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} (يونس: 98) ، أي: ولكن قوم يونس لمّا آمنوا ... وهذا الضّرب في القرآن كثير.» [4] ، وقال ابن عصفور (669 هـ) في قولهم: (ما زادَ شيءٌ إلاّ ما نَقَصَ) : «فـ (زادَ) لا يتوجّه على (ما نقص) ؛ لأنَّ (ما نَقَصَ) لا يوصَفُ بأنَّهُ (زادَ) ، بل المعنى: لكن نقص.» [5] ، وقال المالقيّ (702 هـ) [6] عن (إلاّ) الاستثنائيّة: «وهي تنقسم قسمين؛ قسْمٌ يُخْرِجُ بعضَ الشّيء من كلّه، وهو
(1) الاستثناء عند الأُصوليّين: 99.
(2) بدائع الفوائد: 3/ 936.
(3) ينظر: بدائع الفوائد: 3/ 938.
(4) الكتاب: 2/ 325. وينظر: 2/ 342.
(5) المقرّب: 1/ 171.
(6) هو أحمد بن عبد النّور بن أحمد بن راشد، أبو جعفر المالقيّ النّحويّ. بَرَعَ في العربيّة، وكان مشاركًا في المنطق والعَروض وقَرض الشِّعْر. من أهمّ كتبه: شرح الجَزوليّة، ورصف المباني في حروف المعاني. (ينظر: بُغية الوعاة: 1/ 331 - 332) .