وقد اعترضَ القرافيّ على هذا الإطلاق بقوله: «وأمَّا النّكرة في سياق النّفي، فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النّحاة والأُصوليّينَ؛ يقولون: النّكرة في سياق النّفي تَعُمّ، وأكثر هذا الإطلاق باطل.» [1] .
واحتجّ القرافيّ لإبطال هذا الإطلاق بثلاثة مواضعَ رآها مُسْتَثْنَيَاتٍ منه، هي:
1. «سلبُ الحكم عن العمومات، نحو: ليسً كلّ بيعٍ حلالًا؛ فإنَّهُ نكرة في سياقِ النّفي ولا يَعُمُّ؛ لأنّه سلب للحُكْمِ عن العموم، لا حُكْمٌ بالسلبِ على العموم.» [2] .
ولن أتناوَلَ الفَرقَ بين سَلْبِ العموم وعموم السَّلْبِ هنا، إذ إنّي سأُفْرِدُ له موضعًا خاصًّا به.
2.«النّكرة إذا كانت مرفوعةً مع (لا) ؛ نحو: لا رَجُلٌ في الدّار - بالرّفع -؛ فإنَّهُ جواب لمن قال: هل في الدّار رجلٌ واحدٌ؟، فيُقال له: لا رَجُلٌ في الدّار بل اثنان، فهو سلب لوجود الرّجل بوصف الوَحْدَة، لا لَهُ من حيث هو هو، فهو سلب جزئيّ لا كلّيّ، مع أنَّهُ نكرة في سياق النّفي، كذلك نَصَّ عليه النّحاة؛ قال سيبويه، وابنُ السِّيد البطليوسيّ في (إصلاح الخلل في شرح الجمل) [3] ، ونَصَّ عليه: أنَّهُ لا يَعُمّ بخلاف إذا نُصِبَت النّكرةُ مع (لا) ، نحو: لا رَجُلَ في الدّار؛ فإنّها تَعُمُّ عند المُعَمِّمَةَ، وقال النّحاة: هو جواب لمن قال: هل من رَجلٍ في الدّار؟، فَسَألَ عن مُطْلَق مفهوم الرّجل، فقلنا له: لا رَجُلَ في الدّار، أي: هذا المفهومُ ليسَ في الدّار، فكانت سالبةً كلّيّةً، وهذا هو العموم. قالوا: ولذلك نُصِبَت النّكرةُ مع (لا) ، لتضمّنها معنى (مِنْ) التي هي في كلام السّائل، بخلاف الأوّل؛ إنّما سألَ عن الرّجل بوصف الوَحدة، لا عَن مطلق الرّجُل ...
3.النّكرات الخاصّةُ؛ قال الجرجانيّ في (شرح الإيضاح) : (واعلَمْ أنَّهُ يَقَعُ من الحروف ما هو عامل لفظًا ومعنًى، نحو(مِنْ) في النّفي؛ تقول: ما جاءَني
(1) شرح تنقيح الفصول (في أدوات العموم) : 181. وينظر: العِقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 480 - 481، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 4/ 1864.
(2) شرح تنقيح الفصول (في أدوات العموم) : 194.
(3) لم أعثر على هذا النّصّ الذي عَزاه القرافيّ إلى ابن السِّيد البطليوسيّ في كتابه المذكور بطبعَتَيْهِ. (ينظر: إصلاح الخلل الواقع في الجُمَل للزَّجّاجيّ، و: كتاب الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجُمَل) .