رَجُلٌ، ولا يوجبُ ذلك استغراقَ الجنس، حتّى تقولُ: ما جاءَني رَجلٌ بل أكثر، فإذا دَخَلَتْ (مِنْ) ، فقلتَ: ما جاءَني من رَجُل، أفادت استغراق الجنس، حتّى لا يجوز أنْ تقول: ما جاءَني من رجل بل أكثر) ... هذا نَصُّهُ [1] ، وهو تصريح بعدم العموم في قولنا: ما جاءَني رَجُلٌ. وكذلك نَصَّ عليه الزّمخشريّ (538 هـ) في مثل قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (الأعراف: 59) أنَّ العمومَ مستفاد من لفظ (مِنْ) ، ولو قال: ما لكم إله غيرُهُ، لم يَحْصل العموم، وهي في هذا الضّرب مفيدة للعموم، بخلاف قولنا: ما جاءَني من أحدٍ؛ هي مؤكِّدة للعموم، لا مفيدةٌ له ... ، واستقراء كلام النّحاة يقتضي أنَّ النّكرات الخاصّة لا يحصل بها عموم في النّفي ...
والذي يتحقّق أنَّ العمومَ إنّما يحصل من النّكرة في سياق النّفي إذا كانت النّكرة من النّكرات الموضوعة للأجناس العالية، نحو: شيء، وأحَد، أو يراد بها ذلك وأنَّ اشتقاق اللّفظ يقتضي أخصّ من ذلك. وقد نَصَّ ابن السّكيت في (إصلاح المنطق) ، والكُراع [2] في (المنتخب في اللُّغة) على هذه الصّيغ العامّة التي تقتضي العموم في النّهي [3] ، فردّوها نيفًا وعشرينَ صيغةً ... »، ثم سَرَدَها القرافيّ صيغةً صيغةً [4] .
أمَّا ما يتعلق بقول القرافيّ إنَّ نحو: (لا رَجُلٌ في الدّار) سَلبٌ للوجود بوصف الوَحدة، وما نَقَلَهُ عن النّحاة في ذلك، فقد رَدَّه الكثير من الأُصوليّين؛ إذ
(1) المقتصِد في شرح الإيضاح: 1/ 89 بتصرُّف.
(2) هو عليّ بن الحسن أبو الحسن الهُنَائيّ الأزديّ، ويُعْرَف بكُراع النَّمْل؛ لأنّه كان دميمَ الخِلْقَة. كان لغويًّا نحويًّا من علماء مِصر، خلط المذهبينِ الكوفيَّ والبصريَّ، وكان إلى قول البصريّين أميَلَ. (ينظر: إنباه الرّواة: 2/ 240) . من أهمّ كتبه: المنَجَّد في اللُّغة، والمنتَخَب من غريب كلام العرب. توفيَ سنةَ (310 هـ) . (ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب المنتخَب من غريب كلام العَرَب: 1/ 14 - 16) .
(3) أي النّفي.
(4) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 480 - 484. وينظر: شرح تنقيح الفصول: 181 - 183، و: 194، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 4/ 1864.