قال العلائيّ (761 هـ) إنَّ ما نَقَلَهُ القرافيّ عن أئمّة العربيّة غيرُ مُتَّفَقٍ عليه؛ «بل نَصَّ سيبويه على خلافِهِ، وأنَّهُ للعموم، وإن أُعْرِبَتِ النّكرةُ مع (لا) » [1] .
وذَكَرَ العلائيّ أنَّ شيخَهُ أبا حيّان النّحويّ (745 هـ) نَقَلَ نَصَّ سيبويه (180 هـ) هذا الذي يخالف ما نَقَلَهُ القرافيّ عنه، ونَقَلَهُ أيضًا إمام الحَرَمينِ الجوينيّ (478 هـ) [2] .
والحَقُّ أنَّ القرافيّ كان قد ذَكَرَ ما نَقَلَهُ إمام الحَرَمينِ عن سيبويه، فقال: «قال: إنَّ سيبويه قال: (إذا قُلْتَ: ما جاءَني من رَجُلٍ، فهو يؤكِّدُ العُمومَ، يعني لفظ(مِنْ) . وإذا قلتَ: ما جاءَني رَجُلٌ، فاللّفظُ عامّ.» [3] ، غيرَ أنَّهُ عَقَّبَ على هذا النّقل بقوله: «وهذا خلافُ نَقْلِ الجماعة، وكَشَفْتُ عن ذلك في كتاب سيبويه، وسألْتُ مَنْ هو عالِمٌ بالكتاب معرفةً جيّدةً [4] ، فقال: لا أعْلَمُ سيبويه قال هذا، وأنا أيضًا ما وَجَدتُهُ في الكتاب» [5] ، وهذا الموقف من القرافيّ يَدُل على تجرّده وتحرّيه الحقَّ أنّى وُجِدَ. ولا غرابَةَ في عَدَم تمكّنه من الوصول إلى النّصّ في كتاب سيبويه؛ فقد اعتراه التغيير والتبديل مَرَّتينِ؛ أولاهما تتعلّق بما نَقَلَهُ القرافيّ عن إمام الحَرَمين؛ فالنّصّ في كتاب الأخير هو: «قال سيبويه رحمه الله: إذا قلتَ: ما جاءَني رَجُلٌ، فاللّفظ عامّ، ولكن يحتمل أن يُؤَوَّل، فيقال: ما جاءَني رَجُل بل رجلانِ، أو رجال. فإذا قلتَ: ما جاءَني من رَجُلٍ، اقتضى نفيَ جنس الرّجال على العموم من غير تأويل» [6] . والمرّةُ الأُخرى تتعلّق بما نَقَلَهُ إمام الحرمين عن سيبويه؛ إذ إنَّ النّصّ في (الكتاب) هو: «وأمَّا (مِنْ) فتكون لابتداء الغاية في الأماكن، ... وتكون أيضًا للتبعيض، ... وقد تَدْخُلُ في
(1) تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم: 445.
(2) ينظر: تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم: 445.
(3) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 488 - 489.
(4) قول القرافيّ: «مَنْ هو عالمٌ بالكتاب معرفةً جيِّدَةً» من باب نيابةِ المصدر المرادِف لمصدر الفعل المذكور عن المصدر الأصليّ؛ نحو قولنا: (قَعَدتُ جُلوسًا) ، و: (افْرَح الجَذَلَ) . (ينظر: شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 2/ 173) .
(5) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 489.
(6) البرهان في أُصول الفقه: 1/ 143.