موضع لَو لم تَدْخُلْ فيه كان الكلامُ مستقيمًا، ولكِنَّها توكيد بمنزلة (ما) ، إلاّ أنَّها تجرّ، لأنّها حرفُ إضافةٍ، وذلك قولك: ما أتاني من رجلٍ، وما رأيْتُ من أحدٍ. ولَوْ أُخْرِجَتْ (مِنْ) كان الكلام حسنًا، ولكنَّهُ أكّدَ بـ (مِنْ) لأنَّ هذا موضعُ تبعيض، فأراد أنَّهُ لم يأتِهِ بعضُ الرّجالِ والنّاسِ، وكذلك: ويْحَهُ مِن رَجُلٍ؛ إنّما أرادَ أن يَجعلَ التّعجبَ من بعضِ الرّجال، وكذلك: لي مِلْؤهُ مِن عَسَلٍ، وكذلك: هو أفضلُ من زيدٍ، إنّما أراد أن يُفَضِّلَهُ على بعضٍ ولا يَعُمَّ، ... وكذلك إذا قال: أُخزى اللهُ الكاذبَ منّي ومنك، إلاّ أنَّ هذا، و (أفضل منك) لا يُسْتَغْنى عن (مِنْ) فيهما، لأنَّها توصِلُ الأمرَ إلى ما بَعْدَها. وقد تكون باءُ الإضافةِ بمنزلتها في التّوكيد، وذلك قولك: ما زيدٌ
بمنطلقٍ ... ، وكذلك: (كفى بالشّيبِ) لو ألقى الباءَ استقامَ الكلام.» [1] ، فلا جَرَمَ أنَّ القرافيّ لم يَجِدْ ما ذَكَرَهُ إمام الحرمين في (الكتاب) . وقد كان أبو حيّان أكثر تحريًّا للدقّة عندما نَقَلَ مذهب سيبويه في المسألة؛ فقد ذَكَرَ أنَّ (مِنْ) تُزادُ عند البصريّين بشرط أن يكونَ ما قَبْلَها غيرَ واجب، وأن يكونَ ما دَخَلَتْ عليه نكرةً، ثمّ ذَكَرَ أنَّ مذهبَ سيبويه: «أنَّ الزّائدةَ بالشّرطينِ المذكورَيْنِ هي لتأكيد استغراق الجنس في نحو: ما قامَ مِنْ أحَدٍ، و: ما قامَ من رَجُلٍ» [2] ، فقد أوجَزَ في النّقل عن سيبويه، واكتفى بذِكْرِ المثالَيْنِ اللّذين ذَكرهما سيبويه في كلامه.
ثُمّ إنَّ العلائيّ ضَعَّفَ ما اختارَهُ القرافيّ، محتجًّا بقوله تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة: 197) الذي قُرِئَ أيضًا بالرّفعِ والتّنوين [3] ، وكذلك: {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ} (البقرة: 254) [4] ، وباتّفاقِ أئمّةِ العربيّةِ على جواز قول: (لا حَوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ) برفعهما مع التّنوين؛ فلا ريبَ في أنَّ النّفيَ في هذا كُلِّهِ للعموم، لا لنفي الوَحْدَةِ [5] ، وقال ابن هشام (761 هـ)
(1) الكتاب: 4/ 225.
(2) ارتشاف الضَّرَبِ من لسانِ العرب: 4/ 1723 - 1725.
(3) قرأ بالرفع والتنوين هنا أبو جعفر وابن كثير والبصريّانِ من القرّاء العشرة. (ينظر: النشر في القراءات العشر: 2/ 211) .
(4) قرأ بالفتح وحذف التنوين هنا ابن كثير والبصريّانِ من القرّاء العشرة، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين. (ينظر: النشر في القراءات العشر: 2/ 211) .
(5) ينظر: تلقيح الفُهوم في تنقيح صيغ العموم: 445.