فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 462

من النّحويّينَ: «وغَلطَ كثير من النّاس، فزعموا أنَّ العاملَة عَمَلَ (ليسَ) لا تكونُ إلاّ نافيةً للوَحْدَةِ لا غير، ويَرُدُّ عليهم نحوُ قوله: [الطويل]

تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرضِ باقيا ... ولا وَزَرٌ ممّا قضى اللهُ وَاقِيا» [1] [2]

وأمَّا ما يتعلّق بما ذَكَرَهُ القرافيّ عن النّكرات الخاصّة وأنَّها لا يحصل بها عموم في النّفي، فينطبِق عليه ما انطبق على النّقطة السّابقة، وهو أنَّها دالةٌ على العموم حتّى يقومَ الدّليلُ على خلافِهِ [3] . وممّا يَجْدُرُ ذِكْرُهُ هنا أنَّ العلماء ذكروا في النّكرات التي استثناها القرافيّ من إفادة العموم أنَّها دالّةٌ على العموم ظاهرًا لا نصًّا، وأنَّه على هذا المعنى يُحْمَلُ قول الجرجانيّ والزّمخشريّ: إنَّها في هذه الحالة ليست للعموم، أي: ليست نصًّا في ذلك، والله أعلم [4] .

ويَشْهَدُ لذلك أيضًا ما نَقَلَهُ أبو حيّان عن سيبويه من أنَّ (مِنْ) لتأكيد الاستغراق مع الإعراب في قولك: ما قامَ مِنْ رَجُل [5] ، أي: إنَّ الصّيغة تفيدُ الاستغراق أصلًا من غير وجود (مِن) ، أمَّا تأكيدُ الاستغراق فلا يكون إلاّ بزيادتها. وقد أوْجَزَ الزّركشيُّ (794 هـ) القولَ في مراتب عموم النّكرات المنفية، فأجادَ وأفادَ؛ إذ قال: «والذي ينبغي أن يُقال: إنَّ دلالة هذه الأقسام على العموم متفاوتة، وتجيءُ على مراتبَ؛ فأدناها: (ما جاءَني رَجَلٌ) ، لعدم دُخول (مِنْ) ، ولعدم اختصاص (رجل) بالنّفي، وهي ظاهرةٌ في العموم لا نَصٌّ. وأعلاها: (ما جاءَني مِنْ أحَدٍ) ، لانتفاء الأمْرَينِ، وهذا نصٌّ في العموم. والمرتبة المتوسّطة: (ما جاءَني مِن رَجُلٍ) و (ما جاءَني أحَدٌ) ، وهي تُلْحَقُ بالقسم الثّاني، وتُلْحَقُ به النّكرةُ المَبْنِيَّةُ مع (لا) على الفتح، فَأمّا المرفوعةُ فليست نصًّا، بل ظاهرٌ كالقسم الأوّل.» [6] .

(1) لن أهتدِ إلى قائلِهِ. (ينظر: الدرر اللوامع: 2/ 111، و: المعجم المفصَّل في شواهد النحو الشعريّة: 2/ 1081) .

(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 467.

(3) ينظر: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع: 2/ 337.

(4) ينظر: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع: 2/ 337.

(5) ينظر: تشنيف المسامع بجمع الجوامع: 1/ 339.

(6) البحر المحيط في أُصول الفقه: 3/ 113 - 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت