قال القرافيّ: «القائلون بالتبعيض [1] اشترطوا أنْ تكونَ مع فعل يتعدّى بنفسه، حتّى لا تكون للتعدية، وزعموا أنَّ من ذلك قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} (المائدة: 6) ؛ فإنَّ العرب تقول: مسحتُ رأسي، ومسحتُ برأسي، فلم يبقَ فَرْقٌ إلاّ التّبعيض.
وليس كذلك؛ بل تقولُ: (مَسَحَ) له مفعولان؛ يتعدّى لأحدِهِما بنفسه، وللآخرِ بالباء، ولم تُخَيِّرِ العربُ بين المفعولين في هذه الباء، بل عينَتْها لما هو آلةُ المسحِ؛ فإذا قلتَ: مسحتُ يدي بالحائطِ، فالرطوبةُ الممسوحةُ على يدِك، والحائطُ هو الآلةُ التي أزَلْتَ بها عن يدِك، وإذا قلت: مسحْتُ الحائطَ بيدي، فالشّيءُ المُزال هو على الحائط، ويدُك هي الآلةُ المُزيلة، وكذلك: مَسَحْتُ يدي بالمنديل؛ المنديلُ آلةٌ، و: المنديلَ بيدي؛ فالتنظيفُ إنّما وقع في المنديل لا في يدك، هذه قاعدةٌ عربيّةٌ، ولم يُخَيِّرِ العربُ في ذلك، وحيث قالت العرب: مسحتُ رأسي؛ فالشّيءُ المُزالُ إنّما هو عن الرأس، وحيث قالت: برأسي؛ فالشّيء المُزالُ عن غيرها وقد أُزيلَ بها. ولنا قاعدة أُخرى إجماعيّة، وهي أنَّ الأئمّة أجْمَعَتْ على أنَّ الله تعالى لم يوجب علينا إزالةَ شيء عن رؤوسِنا ولا عن جميع الأعضاء، بل أوجب علينا أن ننقل رطوبة أيدينا لرؤوسنا وجميعِ أعضاء الوضوء، وعلى هذا يتعيّن أن يكون الرأسُ آلةً مزيلةً عن غيرها، لا أنَّها مُزال عنها، فيتعيّن الباء فيها للتّعدية، لأنَّ العرب لا تُعَدّي مسحَ الآلة بنفسها بل بالباء؛ فالباء ليست للتّبعيض في الآية، بل للتّعدية، لأنّها على زعمهم لا تكون للتّبعيض إلاّ حيث يتعدّى الفعل بنفسه.» [2] .
وحاصلُ ما ذَكَرَه القرافيّ: «أنَّ الممسوحَ هو الأيدي، وأنّ الممسوحَ به هو الرأس» [3] ، «فقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} على هذا الباب داخلةٌ على آلة المسح وهي الرأس؛ فالممسوح هو بلل الأيدي، والممسوح به هو الرأس» [4] .
(1) أي في الباء.
(2) شرح تنقيح الفصول (في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه) : 104 - 105.
(3) رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 2/ 279.
(4) رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 2/ 277 - 278.