فعلى اختيار القرافيّ هذا، يكون ثمّةَ حَذْفٌ، والتّقدير: وامسحوا أيديَكُم برؤوسكم.
وقد نَقَلَ الشّوشاويّ (899 هـ) اعتراضَ محمّد بن هارون التّونسي (705 هـ) [1] في شرحه مختصَرَ ابن الحاجب، على هذا الاختيار، واستبعادَه إيّاه؛ لأنّه يَلْزَمُ عليه - عنده - إلزامان؛ «أحدهما: أن يكونَ في اليد فَرْضان: المسح، والغَسْل؛ الثّاني: أنَّهُ يَلْزَم عليه ألاّ يُعَدَّ الرأسُ من الفروض؛ لأنّه آلة، والآلة يُعَدّ التّصرف بها فَرضًا مستقلاًّ بنفسه» [2] . وقد رَجَّحَ التّونسيّ أنَّ الباء في الآية «للاستعانة الدّاخلة على الآلة، وهي الأيدي؛ تقديره: اسمحوا بأيديكم رؤوسَكُم، فدَخَلَت الباء على الآلة التي هي الأيدي، ثم حُذِفَت الأيدي وبقيت الباء تدلّ عليها، فاتّصلت الباء بالمفعول الذي هو الرؤوس» [3] .
وعلى الرّغم من اتفاق ابن هارون والقرافيّ في تقدير محذوف واحد، هو الأيدي، هما يفترقان في نقطة تجعل قوليهما متعاكسَيْنِ؛ وهي أنَّ القرافيّ يُبْقي الباءَ داخلةً على الرّؤوس لأنّها الآلة عنده، على حين يجعلها ابن هارون داخلةً على الأيدي المحذوفة؛ إذ هي الآلة عنده، فصار لديه حَذْفٌ وقَلْبٌ، واكتفى القرافيّ بالحذف. وقد ظَهَرَ لي أنَّ القائلينَ بأنّ الباء في الآية للاستعانة قسمان: قِسْمٌ وافَقَ تقديرُهُ تقديرَ القرافيِّ وهو: فامسحوا أيديَكُم برؤوسكم [4] ، وهذا ما رجَّحَهُ الزّركشيّ (794 هـ) [5] . وقِسْمٌ آخر وافَقَ تقديرُهُ تقديرَ ابنِ هارونَ المعاكس لتقدير القرافيّ، ذاكرًا أنَّ في الكلام حَذْفًا وقلبًا، وإن كان قد خالفَ ابنَ هارون في تقدير المحذوف، فقدَّر الأصلَ بـ: (فامسحوا رؤوسَكُم بالماء) [6] . وقد استبْعَدَ الدكتور محمّد حسن عوّاد كونَ
(1) هو أبو عبد الله محمّد بن هارون التّونسيّ المالكيّ. بَرَعَ في الفقه والأُصول والكلام. من أهم كتبه: شرح مختصر ابن الحاجب في الأُصول، وشرح مختصر ابن الحاجب في الفروع، وشرح المُدَوَّنة. (ينظر: هامش تحقيق كتاب رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 2/ 279) .
(2) رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 2/ 279 - 280.
(3) رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 2/ 280.
(4) ينظر: الجنى الدّاني في حروف المعاني: 44.
(5) ينظر: البرهان في علوم القرآن: 4/ 257.
(6) ينظر: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 206.