الباء في الآية للاستعانة [1] ، أمَّا الدكتورة هيفاء عثمان فقد استبعدت أنْ تكون الباء للاستعانة على وَفق تقدير القرافيّ ومشايعيه، ذاكرةً أنَّ النّاتج من هذا القول «معنًى بعيدٌ لا يتلاءَم مع السّياق، ولا يتناسَب مع الحكم الشّرعي» [2] ، ولكنّها استطابَت كون الباء للاستعانة بتقدير: (فامسحوا رؤوسَكُم بالماء) [3] .
وأمَّا القول بأنّ الباء في الآية للتّبعيض، فقد رَدَّه الكثير من أهل العربيّة والأُصول، مستندين إلى نقول عن أئمّتهم تنفي مجيئها للتّبعيض في اللُّغة؛ ومن تلك: قول ابن جِنّي (392 هـ) : «فأمّا ما يحكيهُ أصحاب الشّافعيّ رحمه الله من أنَّ الباء للتّبعيض، فشيء لا يعرفُهُ أصحابُنا، ولا وَرَدَ به ثبت.» [4] ، وقول ابن بَرْهان العكبريّ (456 هـ) [5] : «ومَنْ زَعَمَ أنَّ الباءَ تفيدُ التّبعيض، فقد جاءَ أهلَ اللُّغة بما لا يعرفونه.» [6] ، وما ذَكَرَهُ الجوينيّ (478 هـ) مُشَدِّدًا النّكيرَ على من قال بذلك؛ فقال: «وهذا خَلْفٌ من الكلام لا حاصل له» [7] ، وما ذكره الشَّلَوْبينُ (645 هـ) من أنَّ التّبعيض ليس في شيء من معاني الباء، وأنَّ من جَعَلَهُ من معانيها مخطئ غالط [8] .
والذي أراه وأُرجّحُهُ أنَّ الباء في الآية للإلصاق؛ إذ إنَّهُ معناها الذي لا تنفكُّ عنه، «وما سوى ذلك من المعاني المذكورة فليس بخارج عنه، أي إنَّهُ مناسب له» [9] ؛ قال سيبويه: «وباء الجرّ إنّما هي للإلزاق والاختلاط، وذلك قولُك: خرجْتُ بزيدٍ،
(1) ينظر: تناوب حروف الجرّ في لغة القرآن: 36.
(2) زيادة الحروف بين التّأييد والمنع: 380.
(3) ينظر: زيادة الحروف بين التّأييد والمنع: 379 - 380.
(4) سر صناعة الإعراب: 1/ 118.
(5) هو عبد الواحد بن عليّ بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن بَرْهان، أبو القاسم الأسَدِيّ العكْبَريّ النّحويّ. بَرَعَ في العربيّة واللُّغة والتّواريخ وأيّام العرب. (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 120) . من أهم كتبه: أُصول اللُّغة، وشرح اللُّمَع. (ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب شرح اللُّمَع: 1/ 35) .
(6) شرح اللُّمَع: 1/ 174.
(7) البرهان في أُصول الفقه: 1/ 136.
(8) ينظر: التّوطئة: 247.
(9) التّوطئة: 247.