فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 462

ودَخلْتُ به، وضربْتُهُ بالسّوط: ألزقْتَ ضَرْبَكَ إيّاه بالسّوط. فما اتَّسَعَ من هذا في الكلام، فهذا أصْلُهُ.» [1] .

ومِمَّن رَجَّحَ أنَّ الباء في الآيةِ للإلصاق: المالقيُّ (702 هـ) [2] ، وابن هشام (761 هـ) [3] ، والدكتورة هيفاء عثمان التي رجَّحَتْ هذا المعنى بأنّ «الأمر بالمسح - وهو في الشّرع إمرارُ الماء على الأعضاء - يقتضي إيصال الماء ... إلى العضو، وهذا لا يكون إلاّ بمباشرته بالمسح. وهناك فَرْقٌ بَيِّنٌ بين العبارة القرآنية الكريمة: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} ، وبين التّعبير البشري؛ امْسَحْ رأسَكَ؛ فالأوّل يقتضي مباشرةَ المسح وإلصاقَهُ بإيصال الماء، والآخَر يحتَمِلُهُ.» [4] . وهذا مبنيٌّ على ما قاله ابن جِنّي (392 هـ) عن معنى الإلصاق؛ «فنحوُ قولِك: أمسكْتُ زيدًا، يمكن أن تكونَ باشَرْتَهُ نَفْسَهُ، وقد يمكن أنْ تكونَ مَنَعْتَهُ من التّصرف من غير مباشرةٍ له. فإذا قلت: أمسكْتُ بزيدٍ، فقد أعْلَمْتَ أنَّكَ باشَرْتَهُ وألصقْتَ محلَّ قدرتِكَ أو ما اتَّصَلَ بمحلِّ قدرتِك به، أو بما اتَّصَلَ به.» [5] .

ويتّضح على معنى الإلصاق في الباء في الآية الكريمة سِرُّ عدول القرآن إلى تعديةِ الفعل بالباء مغايرًا بينه وبينَ تعدية فعل الغسل بنفسه؛ إذ إنَّ المسحَ لابُدَّ فيه من إلصاق اليد بالممسوح ومباشرته، بخلاف الغسل الذي يتحقّق بصبّ الماء على العضو ولو لم يباشره العضو الغاسل. وأوضح دليل على ذلك أنَّ الوجه واليدينِ عُدِّيَ إليهما فعل الغسل بنفسه في الوضوء، وعُدِّيَ إليهما فعل المسح بالباء في التّيمّم لَمّا كان من الممسوحات؛ قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (المائدة: 6) ، فالباء إذًا جيءَ بها للدّلالة على مباشرة المسحِ باليد للرّأس وإلصاقه بها [6] .

(1) الكتاب: 4/ 217.

(2) ينظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني: 147.

(3) ينظر: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 206.

(4) زيادة الحروف بين التأييد والمَنْعِ: 382.

(5) سرّ صناعة الإعراب: 1/ 118.

(6) ينظر: من أسرار حروف الجرّ في الذّكر الحكيم: 196، و: القَبَس في شرح موطأ مالك بن أنس: 1/ 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت