القسمين الصغيرينِ يقتربان من مفهوم المستوى النّحويّ في علم اللُّغة الحديث، غيرَ أنّهما يعكسان واقِعَ الدّراسات النّحويّة العربيّة؛ إذ مَثَّلَ بعضُها منظومةَ القواعد النّحويّة التي تُعنى بملاحظة ما يَطرأ على أواخر الكَلِم باختلاف وظائفها، - أيّ ما يُسمّى بالإعراب -، وهذا هو المتبادرُ إلى الذهن عند ذِكْرِ مصطلح (النّحو) مُطْلَقًا من غير تقييد، ومَثَّلَ بعضُها الآخَرُ دراساتٍ تُوَظِّفُ القواعد النّحويّة السابقَ ذِكرُها، وتستعملها في الكشف عن العلاقات والروابط المختلفة التي تنشأ بين الكلمات في التّراكيب المختلفة، أي إنَّها تمثِّل (معانيَ النّحو) ، أو ما يُسمّيه عبد القاهر الجرجانيّ (471 هـ) : (النَّظْمَ) .
ولَمّا كان تقسيم الفارابيّ أمَسَّ بطبيعة التّصنيف اللُّغويّ في العربيّة عمومًا، وفي الدَّرس اللُّغويّ عند القرافيّ خصوصًا، رأيتُ اعتمادَهُ في البحث، مفيدًا من معطيات علم اللُّغة الحديث في مستوى الدّلالة، بتوزيع مادّتِهِ على الأفرع الأربعة؛ إذ إنَّ مباحِثَهُ لا تنفصل عن كلّ ما ذُكِرَ فيها من موادَّ لغويّة في التّراث اللُّغويّ العربيّ.
وقد أعْمَلَ القرافيّ عَقْلَهُ وأكَدَّ ذهنَهُ في استخراج الفروق بين المتشابهات في الأفرع الأربعة جميعًا، زائدًا على ذلك جهدًا في حقلٍ آخَرَ سواها، هو منها بمكان الأصل من الفرع، والرّأس من الجسد، وهو التماسُ الفروق بين كلّيّات، وأُصول، وقواعد في الدّلالة. ولعلّ هذا الجهدَ التجديديَّ المتميزَ كان واحدًا من إملاءات البيئة الأُصوليّة التي أفرزت البحثَ اللُّغويّ عند القرافيّ، والتي يكثر التركيزُ في مباحثها على المستوى الدّلاليّ من بين سائر مستويات اللُّغة.