فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 462

وقد فَصَّلَ ابن جِنّي (392 هـ) القول في عدم جواز حذف المُؤَكَّدِ وإقامةِ التّوكيد مقامه، معللًا ذلك بأنّ الحذفَ «الغرضُ به التّخفيف ... ، فلو ذَهَبْتَ تؤكِّدُه لنقْضتَ الغرض؛ وذلك أنَّ التّوكيد والإسهاب ضدّ التّخفيف والإيجاز، فلمّا كان الأمر كذلك تدافَعَ الحُكْمانِ، فلم يَجُزْ أن يجتمعا.» [1] .

وأكَّدَ ابنُ مالك (672 هـ) هذه القاعدة بقوله: «ولا يُحْذَفُ المُؤَكَّدُ ويقامُ المُؤَكِّدُ مقامَه، على الأصحّ.» [2] ، ولكنّه ذَكَرَ أنَّ سيبويه أجاز ذلك فيما قُصِدَ به العموم. ونَصُّ سيبويه الذي ذَكَرَ فيه ذلك هو قوله: «هذا باب من الفِعل يُبْدَلُ فيه الآخِرُ من الأوّل، ويُجْرى على الاسم كما يُجْرى (أجمعون) على الاسم، ويُنْصَبُ بالفعل لأنّه مفعول؛ فالبدل: أن تقول: ضُرِبَ عبدُ الله ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ، وضُرِبَ زيدٌ الظّهرُ والبطنُ ... ومُطِرْنا سَهْلُنا وجَبَلُنا، ومُطِرْنا السَّهْلُ والجَبَلُ، وإن شئتَ كان على الاسم بمنزلة (أجمعين) توكيدًا.» ، وعَلَّقَ محقّق الكتاب عبد السّلام هارون على النّقطة الأخيرة في الهامش بقوله: «بعده في الأصل: يقول: يصير البطنُ والظّهرُ توكيدًا لعبد الله، كما يصيرُ (أجمعون) توكيدًا للقوم، إذا قلتَ: رأيتُ القومَ أجمعينَ، كأنّه قال: ضُرِبَ كُلُّهُ.» [3] .

وأمَّا إطلاق القول بحذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامَه، فلم يرتَضِهِ ابن جِنّي، وَذَكَرَ أنَّ أكثر وقوعه في الشّعر دون النّثر، معلّلًا ذلك بأنَّ «القياس يكاد يَحْظُرهُ؛ وذلك أنَّ الصّفة في الكلام على ضربين؛ إمَّا للتّخليص والتّخصيص، وإمَّا للمدح والثّناء، وكلاهما من مقامات الإسهاب والإطناب، لا من مظانّ الإيجاز والاختصار، وإذا كان كذلك لم يَلِقِ الحذفُ به، ولا تخفيفُ اللّفظ منه. هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من الإلباس وضدِّ البيان؛ ألاّ ترى أنّك إذا قلتَ: مررتُ بطويلٍ، لم يستَبِن من ظاهر هذا اللّفظ أنَّ الممرورَ بهِ إنسان دون رمحٍ أو ثوبٍ أو نحو ذلك» ، ثم ذَكَرَ قاعدةً تحكُمُ حذف الموصوف وإقامة الصّفة مقامه، وهي أنَّ «حذف

(1) الخصائص: 1/ 287.

(2) شرح التّسهيل: 3/ 295.

(3) ينظر: الكتاب: 1/ 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت