لقوله تعالى: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} (هود: 31) ، الآية، ونحوه كثير.» [1] ، وعبدُ القادِرِ البغداديُّ (1093 هـ) [2] الذي قال: «فإنَّ (لا) ليست للاستقبال على الصّحيح، والمضارع المنفيّ بها يقع حالًا، نحو: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (نوح: 13) .» [3] فـ «الحق الذي لا مرية فيه أنَّها تأتي للحال كما تأتي للاستقبال، وليست هي من مُخَلِّصات الفعل للمستقبل كما يذهب إليه الجمهور، يدلّ على ذلك الاستعمال الفصيح الكثير في القرآن الكريم وغيره؛ قال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (البقرة: 171) ، وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185) ، وقال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 232) ، وهذا للحال، ولو أبْدَلْتَ (لنْ) بها فقلتَ: (والله يعلم وأنتم لن تعلموا) انقلب المعنى إلى الاستقبال ... وغير ذلك ... ممّا لا يدع مجالًا للشّكِ في أنَّها تأتي للحال.» [4] .
وأمَّا (لَنْ) فيصحّ فيها ما ذكره القرافيّ من أنَّها لنفي المستقبل، وإلى ذلك أشار سيبويه في النّصّ السّابق بقوله: «وإذا قال: (سوف يَفْعَل) ، فإنَّ نفيَهُ: (لن يَفْعَلَ) .» [5] ؛ فهي نقيضة (سوف) ؛ «فـ (سوف) للإثبات، و (لن) للنّفي» [6] . وقال ابن هشام (761 هـ) : « (لَنْ) : حرف نصب ونفي واستقبال.» [7] . وأمَّا قول القرافيّ: «إنَّ (لن) أبلغ في عموم النّفي للمستقبل» فصحيحٌ؛ قال الزّمخشريّ (538 هـ) : «و (لن) لتأكيد ما تعطيه (لا) من نفي المستقبل؛ تقول: (لا أبرح اليوم مكاني) ، فإذا وَكَّدتَ وشَدَّدتَّ قلتَ: (لَنْ أبرحَ اليومَ مكاني) ؛ قال الله تعالى: {لا أَبْرَحُ حتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} (الكهف: 60) ، وقال تعالى: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}
(1) شرح الرّضيّ على كافية ابن الحاجب: 5/ 27.
(2) هو عبد القادر بن عمر البغداديّ. بَرَعَ في علوم العربيّة، والتّفسير، والتّاريخ، والشّعر، واللّغة. من أهمّ كتبه: خزانة الأدب ولبّ لُباب لسان العرب، وحاشية على شرح قصيدة (بانَتْ سعاد) لابن هشام، وشرح أبيات (مغني اللّبيب) . (ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب شرح أبيات مغني اللّبيب: 1/س - ض) .
(3) خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب: 2/ 78.
(4) معاني النّحو: 3/ 353 - 354.
(5) الكتاب: 3/ 117.
(6) معاني النّحو: 3/ 349.
(7) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 543.