النّقيض منفيٌّ إذا صَدَقَ قولُنا: زيد قائم في وقت كذا، فكذلك جميع الأخبارِ التي هي نكراتٌ؛ فالحصرُ ثابتٌ بحَسَبِ النّقيضِ لا بحَسَبِ غيرِهِ، فإذا صدق مفهوم الحصر باعتبار النّقيض صدق الخبر، ولم يخالف الدّليل العقليّ، ولا يلزم من عدم الاتّصاف بالنّقيض عدمُ الاتّصاف بالضّد والخلافِ؛ فجاز أن يكونَ - مع كونه قائمًا - جالسًا في وقت آخر، ونحوه من الأضداد، وحيًّا وفقيهًا وعابدًا في جميع الأوقات، وكذلك كلّ وصف هو خلافٌ أو ضدٌّ، فجميع ذلك يجوز ثبوته، وأمَّا النّقيض فلا سبيل للاتّصاف به البتّةَ؛ فالحصر باعتباره لا باعتبار غيره. هذا في النّكرات، وأمَّا غير النّكرات، فأذكر فيه ... قولَه عليه السّلام في الصّلاة: «تحريمُها التَّكبيرُ، وتحليلُها التَّسْليمُ» [1] ، استدلّ به العلماء على انحصار سبب تحريمِها في التّكبير، وسبب تحليلها في التّسليم؛ ... فهذا خبر مُعَرَّف بالألف واللام اقتضى الحصر في التّكبير دون نقيضِهِ الذي هو عدم التّكبير، وضِدِّهِ الذي هو الهزل واللّعب والنّوم والجنون، وخلافِهِ الذي هو الخشوع والتّعظيم؛ فأيُّ شيء فُعِلَ من هذه الأضداد أو الخلافات ولم يفعل التّكبير لم يدخل في حرمات الصّلاة، وكذلك «تحليلُها التّسليمُ» يقتضي الحصر في التّسليم دون نقيضه الذي هو عدم التّسليم، وضدِّهِ الذي هو النّوع والإغماءُ، وخلافِهِ الذي هو الحَدَثُ ... ؛ فلا يخرج من حِلِّ الصّلاة إلى حرماتها إلاّ بالتّسليم فقط. ونعني بالحرمات: تحريم الكلام، والأكل والشّرب وغير ذلك ممّا يَحْرُمُ في الصّلاة، ونعني بحلِّها إباحة جميع ما حَرُمَ بالصلاّة.» [2] .
وقد تعقّب ابنُ الشّاط (723 هـ) القرافيَّ في قوله: «إنَّ خبر المبتدأ لا يجوز أن يكون أخصّ؛ بل مساويًا أو أعمّ» بقوله إنَّ هذا غير صحيح؛ «بل لا يجوز أن يكون الخبر إلاّ مساويًا للمبتدأ؛ لا أخصّ منه ولا أعمّ؛ فإنَّهُ إذا أُخبِرَ بشيء عن شيء، فليس المراد إلاّ أنَّ الذي هو المبتدأ هو بعينه الخبرُ، ولو صَحَّ ما قاله لكان قولُنا: (الإنسان حيوان) معناه: أنَّ الإنسانَ الخاصَّ هو الحيوانُ العامُّ له ولغيره من
(1) روى هذا الحديثَ ابنُ ماجةَ (273 هـ) في سُنَنِه (الحديث رقم 275، والحديث رقم 276) ، وأبو داودَ (275 هـ) في سُنَنِه (الحديث رقم 618) ، والتّرمذيّ (279 هـ) في جامعة (الحديث رقم 238) .
(2) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو معرفة وبين قاعدة حصر المبتدأ في خبره وهو نكرة) : 2/ 466 - 473.