الحيوانات، فيكون من مضمون ذلك أنَّ الإنسان حمار وثور وكلب، وغير ذلك من أصناف الحيوان، وذلك غير صحيح؛ بل معنى قولنا: (الإنسان حيوان) : الإنسان حيوان ما.» [1] .
وموضوع هذه القاعدة الفروقيّة ممّا يتناوله علماء البلاغة في علم المعاني، ويبحثونه في باب القَصْر وأنواعه، وهذا ممّا يُظْهِرُ تضافر الدّلالات اللّغويّة والبلاغيّة والأُصوليّة في الفروق التي يتناولها القرافيّ، وهي مزيّة منهجيّة توقَّفتُ عندها طويلًا فيما سبق.
و. الفرق بين قولنا: (أنتِ طلاقٌ ثلاثًا) ، و: (أنتِ طلاقٌ ثلاثٌ) :-
قال القرافيّ: «حكى صاحب كتاب (مجالس العلماء) أنَّ الرّشيد كتب إلى قاضيه أبي يوسف ...: [الطويل]
فإنْ تَرفُقي يا هِنْدُ فالرِّفقُ أيْمَنُ ... وإنْ تَخْرَقي يا هندُ فالخرقُ أشْأمُ
فأنتِ طَلاقٌ والطّلاقُ عزيمةٌ ... ثلاثًا ومن يَخْرَقْ أعَقُّ وأظلمُ
فبِينِي بها إنْ كُنتِ غيرَ رفيقةٍ ... وما لامرئٍ بعدَ الثّلاثةِ مَقْدَمُ [2]
وقال له: إذا نصبنا (ثلاثًا) كم يلزمه، وإذا رفعنا كم يلزمه؟، فأشكل عليه ذلك، وحمل الرّقعة للكسائيّ - وكان معه في الدّرب -، فقال له الكسائيّ: اكتب له في الجواب: يَلْزَمُهُ بالرّفع واحدةٌ، وبالنّصب ثلاثٌ؛ يعني أنَّ الرّفع يقتضي أنَّهُ خبر عن المبتدأ الذي هو (الطّلاق) الثّاني، ويكون منقطعًا عن الأوّل، فلم يبقِ إلاّ قوله: فأنت طالق، فتلزمه واحدةٌ، وبالنّصب يكون تمييزًا لقوله: (فأنت طالق) ، فيلزمه الثّلاث. فإن قلت: إذا نصبناه أمكن أن يكون تمييزًا عن الأوّل كما قلت، وأمكن أن يكونَ منصوبًا على الحال من الثّاني؛ أي: الطّلاق معزوم عليه في حال كونه ثلاثًا، أو تمييزًا له، فلِمَ خَصَصْتَهُ بالأوّل؟. قلتُ: الطّلاقُ الأوّل مُنَكَّرٌ يحتمل بسبب تنكيره جميعَ مراتبِ الجنسِ وأعدادِهِ وأنواعِهِ من غير تنصيص على شيء من ذلك لأجل
(1) إدرار الشّروق على أنواء الفروق: 48.
(2) لم أهتدِ إلى قائلِ هذه الأبيات. (ينظر: خِزانة الأدب: 3/ 459، و: المعجم المفصَّل في شواهد النحو الشعريّة: 2/ 869 - 870) .