التّنكير، فاحتاج للتّمييز ليحصل المراد أنَّ ذلك المُنَكَّرَ المجهولُ، وأمَّا الثّاني فمعرفة استغنى بتعريفه واستغراقه النّاشئ عن لام التّعريف عن البيان.» [1] .
وصاحب كتاب (مجالس العلماء) هو: أبو القاسم الزّجَاجيُّ (337 هـ) ، وقد اختصر القرافيّ كلامه في شرح الأبيات الثّلاثة اختصارًا فيه شيءٌ من الغموض والتّداخل بين العبارات، ونَصُّ الزَّجَّاجيِّ هو: «وقوله: (ثلاثًا) تُروى بالنّصب والرّفع؛ فمن نَصَبَ أرادَ: فأنتِ طالقٌ ثلاثًا؛ هذه تُطَلَّقُ لا محالَةَ، ويكون قوله: (والطّلاقُ عزيمةٌ) ابتداءً وخبرًا، ويكون التّقدير: والطّلاقُ عزيمةٌ من أمري لا بهزلٍ ولا لَعبٍ، ويَدُلُّ على هذا التّأويل قوله في البيت الآخَر: (فبِينِي بها إنْ كُنتِ غيرَ رفيقةٍ) .
ومَن رَفَعَ فقال: (والطّلاقُ عزيمةٌ ثلاثٌ) ؛ الطّلاقُ: رُفِعَ بالابتداء، و (عزيمةٌ) : خبرُهُ، و (ثلاثٌ) : خبرٌ ثانٍ. وإن شِئتَ جعلتَ الـ (ثلاث) موضِّحًا عن (العزيمة) ومُتَرْجِمًا عنها؛ فيكون المعنى: والطّلاقُ الذي يكون عزيمةً من المُطَلِّقِ هو ثلاثٌ.» [2] . ثمّ ذَكَرَ الزّجّاجيّ إمكانَ توجيهِ روايةِ الرّفعِ بما يَحْتَمِلُ الطّلقةَ الواحدةَ، أو الطّلقاتِ الثّلاثَ، خلافًا لما اقتصر عليه اختيارُ الكسائيِّ (189 هـ) من قبلُ، والقرافيِّ من بعدُ؛ فقال: «فيحتمل أن يكونَ قال: (أنتِ طالقٌ) ، ولم يَقْصِد الثّلاثَ، فتكون واحدةً، ويكون قوله: (والطّلاقُ عزيمةٌ ثلاثٌ) منقطعًا عن الأوّل. وجائز أن يكون أراد بقوله: أنتِ طالقٌ الثّلاثَ؛ لأنَّ له أن ينويَ ما أراد من ذلك، ثمّ فَسَّرَهُ بقوله: (والطّلاقُ ثلاثٌ) ، فكأنَّه قال: والطّلاقُ الذي جرى ذكرُهُ ثلاثٌ.» [3] .
وزادَ ابنُ هشامٍ الأمرَ اتّساعًا؛ فقال: «إنَّ الصّوابَ أنَّ كُلاًّ من الرّفع والنّصب محتمل لوقوع الثّلاث، ولوقوع الواحدة» [4] ، فأمّا الرّفعُ فقد عَرَفنا وَجْهَ ذلك فيه، وأمَّا النّصب، فوَجَّهَهُ بقوله: «وأمَّا النّصبُ؛ فلأنّه محتمل لأن يكونَ على المفعول
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدة ما يُشْتَرَطُ في الطّلاق من النيّة وبين قاعدة ما لا يُشترط) : 3/ 962 - 963.
(2) مجالس العلماء: 260 - 261.
(3) مجالس العلماء: 261.
(4) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 115.